الأردن “بلد الشهادات”.. أرقام قياسية للمهندسين تُثير الجدل

الأردن "بلد الشهادات".. أرقام قياسية للمهندسين والأطباء والمحامين تُثير الجدل

المنصة – رغم محدودية الموارد والتحديات الاقتصادية المتراكمة، يواصل الأردن تسجيل أرقام لافتة في أعداد أصحاب المهن والنقابات، في مشهد يراه كثيرون دليلاً على قوة المنظومة التعليمية الأردنية، فيما يعتبره آخرون مؤشراً على اختلالات متزايدة في سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة بين خريجي التخصصات المهنية.

الأرقام الأخيرة التي كشفت عنها بيانات نقابية أعادت الجدل إلى الواجهة، بعدما أظهرت أن المملكة تضم نحو 200 ألف مهندس، بمعدل مهندس لكل 41 مواطناً، وهي نسبة تعد من الأعلى عالمياً، إلى جانب نحو 47 ألف طبيب و50 ألف صيدلي و20 ألف محامٍ.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انقسمت ردود فعل الأردنيين بين الفخر والقلق. فالبعض رأى في هذه الأرقام “ثروة بشرية” تعكس استثمار الأردنيين التاريخي في التعليم، بينما اعتبر آخرون أن “التضخم النقابي” بات يفوق قدرة السوق المحلي على الاستيعاب.

وكتب أحد المغردين: “الأردني ينافس العالم بالعلم رغم قلة الإمكانيات”، فيما علّق آخر بسخرية: “في كل بيت مهندس وصيدلي ومحامٍ.. لكن فرص العمل أقل من عدد الخريجين”.

ويرى مراقبون أن الثقافة المجتمعية لعبت دوراً رئيسياً في هذا الواقع، إذ ارتبطت لعقود طويلة فكرة النجاح الاجتماعي بدراسة الطب أو الهندسة أو الصيدلة، ما دفع آلاف الطلبة سنوياً نحو هذه التخصصات، حتى مع تراجع الطلب عليها محلياً.

ارتفاع أرقام المنتسبين لا يعني وجود فرص عمل

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الرواشدة إن “الأردن نجح في بناء قاعدة تعليمية قوية منذ عقود، لكن المشكلة اليوم تكمن في غياب المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق”، مشيراً إلى أن ارتفاع أعداد المنتسبين للنقابات لا يعني بالضرورة وجود فرص عمل كافية.

وأضاف أن كثيراً من المهندسين والأطباء والصيادلة باتوا يتجهون للعمل خارج الأردن، خصوصاً في دول الخليج، أو يبحثون عن فرص في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم بسبب محدودية الوظائف وارتفاع المنافسة.

في المقابل، يرى آخرون أن هذه الأرقام تمنح الأردن ميزة استراتيجية، باعتباره بلداً غنياً بالكفاءات البشرية، خاصة في القطاعات الطبية والهندسية التي اكتسبت سمعة قوية إقليمياً. ويشيرون إلى أن الأطباء والمهندسين الأردنيين يشغلون مواقع مهمة في دول عربية وأجنبية، ما يعكس جودة التعليم والتأهيل.

لكن هذا “الفائض المهني” يفرض تحديات حقيقية، أبرزها البطالة وتراجع الأجور وازدياد أعداد الخريجين سنوياً، في وقت تتجه فيه دول العالم إلى تعزيز التعليم التقني والمهني وربط التخصصات باحتياجات الاقتصاد الحديث.

ويرى متابعون أن الحل لا يكمن في تقليص التعليم أو الحد من الطموح الأكاديمي، بل في إعادة رسم خريطة التخصصات المطلوبة، وتطوير التدريب المهني، وفتح أسواق جديدة للكفاءات الأردنية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار والمشاريع الريادية القادرة على خلق فرص عمل حقيقية.

وبين الفخر بالأرقام القياسية والقلق من واقع السوق، يبقى الأردن أمام معادلة دقيقة: كيف يحوّل هذا الزخم البشري والتعليمي إلى قوة اقتصادية منتجة، بدل أن يتحول إلى أزمة بطالة مقنعة يحملها أصحاب الشهادات؟

Scroll to Top