عمان – المنصة
“مياهنا” تتحول رقمياً بمشروع بـ7 ملايين دينار.. لكن هل سيحتسب العداد الماء الذي نشربه أم الهواء الذي يمر في الأنابيب؟
في وقت تتوسع فيه شركة مياه الأردن “مياهنا” بمشاريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بتكلفة تصل إلى 7 ملايين دينار، ممولة من الحكومة الأميركية، يبقى السؤال الذي يشغل بال آلاف المشتركين الأردنيين أبسط بكثير من أي خوارزمية أو منصة مركزية: هل ستحتسب هذه المنظومة “الذكية” كمية المياه التي تصل فعلياً إلى المنزل، أم ستستمر عدادات المياه بالدوران واحتساب فواتير على “هواء” يمر في الأنابيب الفارغة أثناء انقطاعات التزويد المتكررة؟
مصطلحات تقنية لامعة.. وواقع يومي مختلف
يتحدث بيان الشركة عن “التحول الذكي لمرافق المياه” و”المراقبة اللحظية” و”خوارزميات الذكاء الاصطناعي لدعم القرار التشغيلي”، وهي مصطلحات تبدو، على الورق، انعكاساً لأحدث ما توصلت إليه صناعة إدارة المياه عالمياً. لكن هذه اللغة التقنية المتقدمة تتناقض مع شكوى متكررة يرفعها المواطنون منذ سنوات: عدادات مياه تستمر بالعد التصاعدي حتى في الأوقات التي تكون فيها الشبكة فارغة من المياه وممتلئة بالهواء عقب انقطاعها، لتصل فواتير مبالغ فيها لا تعكس الاستهلاك الفعلي.
فهل يعالج هذا المشروع الفجوة الأساسية بين “الكمية المُحتسبة” و”الكمية المستهلكة فعلياً”، أم يكتفي برقمنة النظام القائم بمشاكله ذاتها؟
قال الخرابشة.. لكن ماذا عن فاتورة المواطن تحديداً؟
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “مياهنا”، المهندس محمد الخرابشة، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الشركة نفّذت مشروع التحول الذكي بهدف الانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على التقارير اليدوية إلى منظومة تعتمد على البيانات اللحظية والمراقبة والتحكم عن بعد. وأضاف أن المشروع يشمل تركيب عدادات ذكية وصمامات تحكم آلية في مناطق تجريبية بخلدا. لكن التصريحات، رغم تفصيلها التقني الدقيق لمكونات المشروع (SCADA، صمامات ذكية، عدادات تدفق)، لم تتطرق بشكل مباشر وواضح إلى الشكوى الأكثر إلحاحاً لدى المواطن: هل تُميّز هذه العدادات الذكية بين مرور الهواء ومرور الماء الفعلي؟ وهل ستُعدَّل الفواتير التاريخية لمن دفعوا سابقاً عن كميات لم يستهلكوها؟
“3 مناطق فقط في خلدا”.. فأين البقية؟
وبحسب البيان، اقتصر التطبيق الفعلي للنموذج الذكي حتى الآن على 3 مناطق فرعية فقط في منطقة خلدا، من أصل نحو 1.16 مليون مشترك تخدمهم الشركة في عمّان والزرقاء والبلقاء ومادبا.
وأشار الخرابشة نفسه إلى أن المشروع “يمثل أنموذجاً يمكن التوسع في تطبيقه مستقبلاً… بعد دراسة جدواه الاقتصادية” – أي أن التوسع الفعلي ليس مؤكداً بعد، وأن غالبية المشتركين الأردنيين لن يشعروا بأي تغيير ملموس في تجربتهم مع فواتير المياه في المدى المنظور.
فهل نحن أمام مشروع تحول شامل، أم تجربة محدودة النطاق تُقدَّم إعلامياً بلغة أوسع من حجمها الفعلي؟
خفض الفاقد المائي.. لكن لمن تذهب الوفورات؟
أكد الخرابشة أن المشروع يسهم في خفض الفاقد المائي عبر الكشف المبكر عن الكسور والتسربات وتوجيه فرق الصيانة بكفاءة أكبر. وهذا هدف مشروع بلا شك، خصوصاً في بلد يعاني ندرة مائية حادة.
لكن السؤال الذي يغيب عن البيان: إذا نجح المشروع في خفض الفاقد المائي وتحسين الكفاءة التشغيلية، فهل ستنعكس هذه الوفورات على تعرفة المياه التي يدفعها المواطن، أم ستبقى محصورة في تحسين المؤشرات الداخلية للشركة دون أن يلمس المشترك أي أثر مالي مباشر على فاتورته؟
60% دفع إلكتروني.. رقم لافت، لكن ماذا عن دقة القراءة نفسها؟
أشار البيان أيضاً إلى أن نسبة الدفع الإلكتروني بلغت نحو 60%، مع التوسع في الخدمات الرقمية بالتنسيق مع تطبيق “سند”. وهذا مؤشر إيجابي على سهولة التعامل مع الشركة من الناحية الإدارية.
لكن سهولة “دفع” الفاتورة إلكترونياً لا تعني بالضرورة “عدالة” الفاتورة نفسها من حيث القراءة والاحتساب – وهذا هو جوهر القلق الفعلي لدى المواطن، وليس آلية السداد.
سؤال يبقى معلقاً
بين لغة “المرفق الذكي” و”دعم القرار المبني على البيانات” من جهة، ومعاناة يومية متكررة مع فواتير مياه لا تعكس الواقع الفعلي للتزويد من جهة أخرى، يبقى السؤال الأهم الذي لم يُجب عنه بيان الشركة بشكل مباشر: متى سيشعر المواطن العادي، لا المناطق التجريبية المحدودة فقط، بأن العداد المُركَّب في منزله يحتسب الماء الذي يشربه فعلاً، لا الهواء الذي يمر في الأنابيب الفارغة أثناء ساعات الانقطاع؟
للموضوعية
تجدر الإشارة إلى أن مشكلة احتساب “الهواء” بدلاً من الماء في العدادات التقليدية هي مشكلة تقنية معروفة عالمياً في شبكات التزويد المتقطع، وقد تُعالَج جزئياً عبر تقنيات العدادات الذكية وصمامات التحكم الآلية التي تبقي الشبكة تحت ضغط مستمر داخل المناطق المشمولة بالمشروع (كما هو مطبَّق في نموذج خلدا التجريبي)، وهو ما قد يمثل حلاً فعلياً لهذه المعضلة إن جرى تعميمه.
كما أن مشاريع التحول الرقمي في قطاع المياه، بما فيها هذا المشروع، عادة ما تحتاج سنوات لإثبات جدواها الاقتصادية والتقنية قبل التوسع الكامل، وهو ما أشار إليه الرئيس التنفيذي نفسه.
ويبقى الحكم الفعلي على نجاح المشروع رهناً بمدى توسّعه ليشمل غالبية المشتركين، وبمدى انعكاسه لاحقاً على دقة الفواتير الفعلية التي يستلمها المواطن.








