عمّان تغرق في نفاياتها: حاويات تفيض وصمت رسمي وسكان يستغيثون

عمّان تغرق في نفاياتها: حاويات تفيض وصمت رسمي وسكان يستغيثون

عمّان — المنصة

عمّان تغرق في نفاياتها: حاويات تفيض وصمت رسمي وسكان يستغيثون

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة على الأرجح؛ هكذا يُلخِّص كثير من سكان العاصمة عمّان شعورهم حين يرفعون هواتفهم ليوثِّقوا مشهداً باتَ مألوفاً مؤلماً: حاويات قمامة تابعة لأمانة عمّان الكبرى تفيض عن آخرها، ونفايات تمتد على الأرصفة والشوارع لأيام متواصلة، في ظاهرة ترصدها منصات التواصل الاجتماعي بمئات الصور والتعليقات، بينما يظلُّ الصمت الرسمي سيِّد الموقف.

المشهد الميداني: أحياء متعددة وأزمة واحدة
لا تقتصر الصور الموثَّقة على حي بعينه؛ فالمشهد يتكرر في أحياء سكنية وشوارع تجارية مكتظة على حدٍّ سواء، حيث تعجز الحاويات عن استيعاب المزيد فتنسكب النفايات على الأرض المحيطة بها — أكياس سوداء وكراتين ومخلفات منزلية تتراكم في المشاعات العامة وعلى حواف الطرق.

وتكتسب هذه الصور ثقلاً إضافياً في ظل ارتفاع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف، حين تتحوَّل النفايات المتراكمة من إزعاج بصري إلى مصدر حقيقي للمخاطر الصحية والروائح الكريهة التي تُنغِّص حياة السكان.

عمّان تغرق في نفاياتها: حاويات تفيض وصمت رسمي وسكان يستغيثون

الشكوى المتكررة: صرخة في مواجهة الصمت
ما يُضاعف الاستياء الشعبي ليس تراكم القمامة وحده، بل الإحساس المتجذِّر بأن الشكوى تذهب إلى لا مكان؛ فكثير من المواطنين يؤكدون أن منشوراتهم واستغاثاتهم تتكرر لأيام دون استجابة ميدانية تُذكر، في حين لم تصدر عن أمانة عمّان الكبرى حتى لحظة إعداد هذا التقرير أي ردٍّ أو توضيح بشأن هذه الشكاوى المتصاعدة.

جذور الأزمة: هل الحاويات كافية؟
تُشير هذه الظاهرة المتكررة إلى خلل أعمق من مجرد تأخر في جداول الرفع؛ إذ يرى مراقبون أن الكثافة السكانية المتنامية في أحياء عمّان باتت تفوق طاقة المنظومة الحالية لجمع النفايات، سواء من حيث أعداد الحاويات أو وتيرة رحلات الرفع. وفي غياب خطة هيكلية واضحة لمواكبة هذا النمو، تظلُّ الرقعة بين الحاجة الفعلية والخدمة المقدَّمة في اتساع مستمر.

يُضاف إلى ذلك غياب ثقافة الفرز والتخلص الصحيح من النفايات لدى شريحة من السكان والمحلات التجارية، التي تُلقي مخلفاتها الضخمة بجوار الحاويات السكنية المصمَّمة أصلاً للنفايات المنزلية، فتُعجِّل بامتلائها وتُقلِّص عمرها الاستيعابي اليومي.

قراءة تحليلية: أزمة خدمات أم أزمة ثقة؟
ثمة مفارقة صارخة تفرض نفسها على هذا المشهد: تُنفق أمانة عمّان الكبرى مئات الملايين سنوياً على منظومة النظافة، في حين تتراكم النفايات أمام عيون السكان لأيام متواصلة. هذه الفجوة بين الإنفاق والأثر الميداني هي التي تُغذِّي الإحساس الشعبي بأن المشكلة ليست في شُحِّ الموارد، بل في طريقة إدارتها وتوزيعها وتحديث أدواتها.

والأخطر من تراكم القمامة ذاته هو تراكم الثقة المفقودة؛ فحين يجد المواطن أن صوته لا يُسمع وشكواه لا تُجدي، يتحوَّل الاستياء من ردِّ فعل آنيٍّ إلى قناعة راسخة بعجز المنظومة — وهو ما لا تستطيع أي حملة تنظيف موسمية أن تُعالجه.

المطلوب اليوم ليس جولة ميدانية طارئة، بل مراجعة هيكلية حقيقية لمنظومة جمع النفايات في العاصمة: خرائط كثافة محدَّثة، وجداول رفع مرنة تستجيب للواقع لا للروتين، وآلية شكاوى فعَّالة تُعيد للمواطن الإحساس بأنه شريك في المدينة لا مجرد ضيف ينتظر خدمة قد تأتي أو لا تأتي.

Scroll to Top