د. منى اللواتي
شهد الأردن خلال السنوات الخمس الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في جهوده لمكافحة آفة المخدرات، في ظل التحديات الأمنية والإقليمية التي فرضتها الظروف المحيطة بالمملكة، خصوصاً مع ازدياد عمليات التهريب عبر الحدود الشمالية والشرقية. وقد تعاملت الدولة الأردنية مع هذه القضية بوصفها تهديداً مباشراً للأمن الوطني والسلم المجتمعي، ما دفعها إلى تبني استراتيجية شاملة جمعت بين الجانب الأمني والتوعوي والعلاجي والتشريعي.
وعملت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها إدارة مكافحة المخدرات التابعة لمديرية الأمن العام، على تكثيف حملاتها الميدانية وتنفيذ مداهمات يومية استهدفت أوكار المروجين والمهربين، بالتعاون مع القوات المسلحة الأردنية وحرس الحدود. وأسهم هذا التنسيق في إحباط العديد من عمليات التهريب الضخمة وضبط ملايين الحبوب المخدرة وكميات كبيرة من المواد المخدرة المختلفة قبل دخولها إلى الأسواق المحلية أو تهريبها إلى دول مجاورة.
وفي إطار تعزيز النهج الوقائي، أطلقت الجهات الرسمية “الاستراتيجية الوطنية للوقاية من آفة المخدرات 2024-2026”، والتي ركزت على رفع مستوى الوعي المجتمعي، خاصة بين فئة الشباب، عبر المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. كما هدفت الاستراتيجية إلى نشر ثقافة إعادة التأهيل ودمج المتعافين في المجتمع، إلى جانب تصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالإدمان والتعاطي.
وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً توسعاً في الشراكات بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، حيث تأسس “التحالف الوطني لتعزيز مكافحة المخدرات” عام 2021، ليشكل منصة وطنية للتعاون في مجالات التوعية والدعم النفسي والاجتماعي والتثقيف القانوني. وقد لعب هذا التحالف دوراً بارزاً في تنفيذ حملات توعوية وزيارات ميدانية للمؤسسات والمناطق المختلفة، بهدف تعزيز الحصانة المجتمعية ضد خطر المخدرات.
أمّا على الصعيد التشريعي، اتجه الأردن إلى تشديد العقوبات بحق المروجين والمهربين، حيث تصل عقوبات الترويج في بعض الحالات إلى السجن لمدة 15 عاماً، مع دراسة تعديلات قانونية جديدة لزيادة فاعلية أدوات المواجهة القانونية لهذه الجرائم. كما أولت الدولة اهتماماً متزايداً ببرامج العلاج وإعادة التأهيل، إذ أكدت الجهات المختصة أهمية معالجة المدمنين داخل مراكز صحية متخصصة وتقديم الرعاية اللاحقة لهم لضمان عدم عودتهم للتعاطي.
تشير المؤشرات الرسمية إلى تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف، إذ أعلنت إدارة مكافحة المخدرات تسجيل انخفاض في قضايا المخدرات خلال عام 2025 مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما أُرجع إلى تكامل الجهود الأمنية والتوعوية والتشريعية. كما أظهرت تقارير متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية نسب إنجاز مرتفعة، ما يعكس حجم الاهتمام الرسمي والمؤسسي بمواجهة هذه الظاهرة.
وفي المحصلة، تؤكد التجربة الأردنية خلال السنوات الأخيرة أن مكافحة المخدرات لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت قضية وطنية تشترك فيها الدولة والمجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية. وبينما لا تزال التحديات قائمة، يواصل الأردن تعزيز أدواته الأمنية والوقائية لحماية المجتمع والشباب من هذه الآفة والحفاظ على أمنه واستقراره.








