المنصة – تحليل صحافي
في الساعات الأولى من فجر الأحد، اخترقت طائرات سلاح الجوّ الملكيّ الأردنيّ الأجواءَ السوريّة الجنوبيّة، لتنفّذ ما أسمته القيادة العسكريّة في عمّان “عمليّة الردع الأردني”. أعلن الجيش الأردني في بيان الأحد، أنه استهدف ودمر مواقع ومستودعات ومصانع لتجّار أسلحة ومخدرات على حدوده الشمالية.
مصادر سوريّة محلّيّة سرعان ما كشفت الجغرافيا الفعليّة للضربات؛ إذ أفادت مصادر محلية وكالة فرانس برس بأن سلسلة غارات استهدفت مواقع عدة في خمس بلدات على الأقل، طالت إحداها مستودعات في بلدة عرمان.
ولئن قُدِّمت العمليّة في خطابها الرسميّ بوصفها ضربةً تقنيّة مُعَايَرة ضدّ شبكات الجريمة المنظّمة، فإنّ قراءتها بمعزل عن سياقها الإقليميّ الأوسع تُفقدها نصفَ معناها. فالطائرات التي حلّقت فوق السويداء لم تكن تحمل قنابل وحسب، بل كانت تحمل رسائل سياسيّة دقيقة، موجَّهة إلى أكثر من عاصمة، ومكتوبة بلغة لا تقبل التأويل.
الواقعة في تفاصيلها
البيان العسكريّ الأردنيّ جاء مُحكَم الصياغة، حريصاً على التوازن بين الإفصاح والإبهام.
ذكرت وكالة الأنباء الأردنية أن القوات المسلحة قصفت أماكن المصانع والمعامل والمستودعات التي يتخذها تجار الأسلحة والمخدرات مواقع لانطلاق عملياتهم باتجاه الأراضي الأردنية، دون إضافة مزيد من التفاصيل عن موقع تلك الأماكن بدقة.
وفي الجانب المقابل من الحدود، تكفّل الإعلام الرسميّ السوريّ بسدّ هذه الفجوة الجغرافيّة؛ فقد نقلت قناة الإخبارية السورية الرسمية عن مصادر محلية قولها إن طائرات حربية يرجّح أنها أردنية استهدفت مقرا يحتوي على أسلحة ومخدرات تسيطر عليه من وصفتها بـ”العصابات المتمردة” في قرية شهبا في السويداء.
اللافت في الخطاب العسكريّ الأردنيّ أنّه قدّم العمليّة باعتبارها استجابةً لتحوّلٍ نوعيّ في طبيعة التهديد، لا ردّاً ظرفيّاً على حادثة بعينها.
بيّنت القوات المسلحة الأردنية أن تلك الجماعات تعتمد أنماطا جديدة لنشاطها، مستغلة الحالة الجوية والظروف الإقليمية الراهنة لتنفيذ عملياتها، وأشارت إلى أن عدد محاولات تهريب الأسلحة والمواد المخدرة شهد تصاعدا ملحوظا، مما شكل تحديا كبيرا لقوات حرس الحدود والتشكيلات والوحدات التي تُسندها في أداء واجبها.
الكبتاغون: الاقتصاد الموازي الذي يهدّد دولةً
لا يمكن فهم حدّة الردّ الأردنيّ من دون استحضار حجم التهديد المخدّراتيّ الذي تمثّله الجبهة الشماليّة.
يعلن الجيش الأردني بشكل منتظم وشبه يومي إحباط عمليات تهريب مخدرات عبر الحدود مع سوريا الممتدة بطول 375 كيلومترا، وخصوصا حبوب الكبتاغون التي كانت تنتج على نطاق واسع خلال حكم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد بعد اندلاع النزاع في بلاده اعتبارا من العام 2011.
أرقامُ الضبطيّات وحدها كافيةٌ لتوصيف حجم الظاهرة: ففي نيسان/أبريل الماضي، أحبطت إدارتا مكافحة المخدرات في الأردن وسوريا عملية تهريب ضخمة لـ 5.5 ملايين حبة مخدرة عبر معبر جابر الحدودي، بعد عملية استخبارية مشتركة، حيث تم ضبط 943 كيلوغراماً من الكبتاغون في سقف مركبة شحن كبيرة. هذا الرقم وحده يُعطي فكرةً عن البنية الصناعيّة لعمليّات التصنيع، لا الفرديّة الحرفيّة لعمليّات التهريب.
والواقع أنّ الكبتاغون لم يعد، في الحسابات الأردنيّة، مجرّد ملفٍّ أمنيّ تقليديّ يُدار من خلال ضباط الحدود، بل تحوّل إلى تهديد وجوديّ مزدوج: تهديد للنسيج الاجتماعيّ الأردنيّ في الداخل، وتهديد للسيادة في الخارج، حيث تستخدم الشبكات أراضي المملكة معبراً ترانزيتيّاً نحو أسواق الخليج.
السويداء: الجغرافيا الرماديّة
إنّ اختيار السويداء مسرحاً للعمليّة ليس قراراً عسكريّاً مجرّداً، بل إفصاحٌ عن تشخيصٍ أردنيٍّ صريح لطبيعة المعضلة السوريّة الراهنة. فالمحافظة الجنوبيّة، ذات الأغلبيّة الدرزيّة، باتت محافظة تقع أنحاء فيها خارج سيطرة سلطات دمشق، الأمر الذي حوّلها — بحكم الجغرافيا والفراغ معاً — إلى ما يشبه المنطقة الرماديّة الكلاسيكيّة في الأدبيّات الأمنيّة: لا هي تابعة لسلطة مركزيّة قادرة على ضبطها، ولا هي مُستقِلّة بحُكمٍ بديلٍ مُنضبط.
في هذه الفجوة السياديّة بالضبط ترسّخت اقتصاديّات التهريب. وكما يلاحظ المحلّلون، شبكات التهريب التي ترسّخت خلال سنوات الحرب لم تكن مجموعات خارجة عن السيطرة وحسب، بل جزء من منظومة مصالح يصعب تفكيكها بقرارات مركزيّة، حتّى لو توافرت الإرادة.
مع مرور الوقت، بدا أنّ هذه الشبكات باتت أقوى من أدوات الردع التقليديّة، وأكثر قدرة على التكيّف مع الضغوط.
من الانتظار إلى المبادرة: تحوّلٌ في العقيدة
ثمّة قراءةٌ تذهب إلى أنّ الضربة الأخيرة تدشّن — أو تُعمِّق — تحوّلاً جوهريّاً في عقيدة الأمن القوميّ الأردنيّ تجاه الجبهة السوريّة. فبعد سقوط نظام الأسد ورهانٍ قصيرٍ على أن السلطة الجديدة في دمشق ستُعيد بسط هيبتها على الجنوب، اصطدم هذا الرهان بحقائق ميدانيّة عنيدة. توقّف العمليّات الجويّة السابق لم يكن دليلاً على حلّ المشكلة، بل كان تعبيراً عن مرحلة سياسيّة مختلفة، حاول فيها الأردن الرهان على التنسيق، وعلى عودة تدريجيّة للدولة السوريّة إلى لعب دورها الأمنيّ، غير أنّ هذا الرهان اصطدم بواقع معقّد.
في المقابل، يبدو أنّ عمّان اختارت أن تُوازن بين مسارين متلازمين: مسار التعاون الاستخباريّ المباشر مع دمشق — الذي تجلّى في عمليّة معبر جابر — ومسار الفعل المُسلَّح المباشر حين يفشل التعاون أو يتباطأ.
القصف الأردني الذي تم بالتنسيق مع السلطات السورية في دمشق -باعتبارها الجهة صاحبة السيادة- يحمل دلالة سياسية كبرى، وهي أن عمان ترفض بشكل قاطع أي سيناريوهات لتقسيم سوريا أو نشوء “كيانات أمر واقع” خارج إطار الدولة، لأن مثل هذه الكيانات غالباً ما تصبح بؤراً للنشاطات غير القانونية والتهديدات العابرة للحدود.
الغطاء الإقليميّ والشرعيّة المُكتسَبة
لا تجري العمليّات الأردنيّة في فراغٍ من الشرعيّات. لم تكن العملية الجوية الأخيرة وليدة الصدفة، بل استندت إلى غطاء سياسي وأمني وفره ما يعرف بـ “خماسية عمان” لعام 2024. هذا الإطار الذي يضم دول جوار سوريا، أوجد غرفة عمليات مشتركة تتيح للأردن التدخل العسكري المباشر في حال وجود خطر داهم يهدد حدوده.
هذا الترتيب الإقليميّ يمنح عمّان ما يشبه “تفويضاً ناعماً” لتحرّكاتها العابرة للحدود، ويضعها في موقع المُدافع لا المُعتدي ضمن الأدبيّات الدبلوماسيّة الإقليميّة.
ما وراء النصّ: قراءةٌ في الرسائل
تحت طبقة الخطاب الأمنيّ المتعلّقة بالمخدّرات، تكمن طبقة سياسيّة أكثر عمقاً. الضربة الأردنيّة، في قراءة استراتيجيّة، تحمل ثلاث رسائل متزامنة:
الرسالة الأولى موجَّهة إلى دمشق نفسها: مفادها أنّ السيادة لا تُكتسَب بالإعلان وحدَه، بل بالقدرة على بسط الأمن. وأنّ صبر عمّان على إعادة بناء الدولة السوريّة مشروط ببقاء الحدود الأردنيّة بمنأى عن التهديد.
الرسالة الثانية موجَّهة إلى الفاعلين المحلّيّين في الجنوب السوريّ: ومضمونها أنّ أيّ مشروع ميليشياويّ أو مسلَّح يتغذّى على اقتصاديّات التهريب سيُواجَه بالقوّة الجويّة، بصرف النظر عن لافتاته السياسيّة أو غطاءاته الطائفيّة.
الرسالة الثالثة، الأكثر دقّةً، موجَّهة إلى عواصم إقليميّة بعيدة: تتعلّق بقدرة المملكة على فرض معادلتها الأمنيّة الخاصّة، وعلى رفض أن تكون ساحة مفتوحة لتصفيات الآخرين أو ممرّاً سلبيّاً لاقتصاديّاتهم السوداء.
خاتمة: حدودٌ تُعيد رسم نفسها
ما جرى فجر الأحد فوق سماء السويداء ليس حادثة عابرة في سجلّ المواجهات الحدوديّة، بل نقطة في منحنىً أطول. منحنىً يكشف أنّ الأردن، الدولة التي اعتادت إدارة جوارها بأدوات الدبلوماسيّة الهادئة والتنسيق الاستخباريّ الصامت، باتت مستعدّةً — حين يقتضي الأمر — لاستخدام أدواتٍ أكثر صخباً وأقلّ دبلوماسيّة. وأنّ عقيدة “الردع” التي اختارت القيادة العسكريّة تسمية عمليّتها بها لم تكن مفردةً اعتباطيّة، بل عنواناً صريحاً لمرحلة جديدة، تُختزل فيها العلاقة مع الجنوب السوريّ في معادلة لا تقبل الالتباس: أمنُ المملكة خطٌّ أحمر، ومن يتجرّأ على عبوره — سواء أكان دولةً فاشلة، أم شبكةً منظَّمة، أم ميليشيا متمرّدة — سيدفع كلفة عبوره ناراً من السماء.
في النهاية، لا تُقاس عظمة الدول بحجم خرائطها، بل بقدرتها على فرض احترام حدودها. وما جرى في السويداء فجر الأحد كان، في جوهره، تذكيراً بهذه القاعدة العتيقة، مكتوباً بحبر الطائرات على ورق السماء.







