صوفيا – مصطفى الريالات
شهدت بلغاريا انتخابات جديدة أظهرت نتائجها الأولية وغير الرسمية مؤشرات واضحة على تحوّلات مهمة في المشهد السياسي، وسط تنافس متزايد بين القوى الحزبية. هذه الانتخابات، التي تُعد الثامنة في غضون خمس سنوات فقط، تعكس أزمة سياسية مستعصية حولت الاقتراع من أداة للتغيير إلى طقس دوري يغذيه الجمود.
أظهرت المعطيات الأولية تقدّم تحالف “بلغاريا التقدمية” (Progressive Bulgaria)، الذي نجح في تحقيق الأغلبية في 30 من أصل 31 دائرة انتخابية، ليبرز كأقوى قوة سياسية في البلاد. وقد حصل هذا التحالف، بقيادة الرئيس السابق رومن راديف، على نحو 45% من الأصوات بعد فرز أكثر من 90% من بطاقات الاقتراع. يحمل راديف، الذي شغل منصب الرئيس لمدة تسع سنوات، شعار مكافحة الفساد، حيث يسعى إلى تخليص البلاد مما يصفه بـ “نموذج الحكم الأوليغاركي” .
في المقابل، حلّ التحالف في المرتبة الثانية فقط في منطقة كاردجالي، حيث تصدّر حزب DPS المرتبط بالسياسي دليان بيفسكي النتائج. وسجّل التحالف في كاردجالي 18,853 صوتًا، وهو ما اعتبره محللون أداءً قويًا في منطقة تُعد تقليديًا معقلًا لحزب DPS، ما يشير إلى اختراق سياسي مهم.
يرى خبراء أن هذه النتائج تعكس تغيّرا في موازين القوى، خصوصا في المناطق المختلطة، إلى جانب إعادة تشكيل في توجهات الناخبين. كما لوحظت تحوّلات في توزيع الأصوات نتيجة انقسامات داخل بعض الأحزاب، بما في ذلك المعسكر المرتبط بـ أحمد دوجان. وبالمقارنة مع الانتخابات السابقة، سُجّل تراجع في دعم بعض القوى التقليدية، مثل حزب “غيرب” (GERB) المؤيد لأوروبا، مقابل صعود مشاريع سياسية جديدة. وتأتي هذه الانتخابات في وقت تواجه فيه بلغاريا تحديات اقتصادية، فهي لا تزال أفقر دول الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ ناتجها المحلي الإجمالي للفرد نحو 68% من متوسط الاتحاد.
—
من هو رومن راديف؟ مواقفه من القضايا العربية
يُعد رومن راديف من أبرز الشخصيات السياسية في بلغاريا. وُلد في 18 يونيو 1963 في ديميتروفغراد، وبدأ مسيرته المهنية كطيار عسكري. تخرّج من المدرسة العسكرية الجوية “جورجي بينكوفسكي” وواصل دراسته في كلية القوات الجوية “ماكسويل” في الولايات المتحدة. خلال مسيرته العسكرية، وصل إلى رتبة لواء وتولى مناصب قيادية، من بينها قيادة قاعدة غراف إغناتيفو الجوية.
وفي عام 2016، انتُخب رئيسًا للبلاد كمرشح مستقل بدعم من عدة قوى سياسية، وتسلّم مهامه في 2017، قبل أن يُعاد انتخابه لولاية ثانية في 2021. وبصفته رئيسا للجمهورية، يضطلع راديف بمهام دستورية أساسية، ويؤدي دورا بارزا في القضايا السياسية والاجتماعية، فضلًا عن مساهمته في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع دول عدة، بما في ذلك دول الشرق الأوسط والعالم العربي.
فيما يخص القضية الفلسطينية، اتسم موقف راديف بالدعم الواضح للحلول الدبلوماسية. ففي لقاء جمعه بالسفير الفلسطيني في صوفيا، رحب راديف باتفاق وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن. كما شدد مرارًا على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم ومستدام في المنطقة، مؤكدًا موقف بلاده الثابت من القضية الفلسطينية.
وفي سياق متصل، قاد مقتل المواطن البلغاري “مارين مارينوف” في قصف إسرائيلي على قطاع غزة إلى كسر الصمت الإعلامي في بلغاريا، وكشف عن غضب شعبي متنامٍ تجاه موقف الحكومة. عندها، شدد راديف على ضرورة أن تتخذ الحكومة “موقفا أكثر فاعلية وكرامة” بشأن الحادث، مما يعكس نهجه المطالب بمحاسبة إسرائيل على أفعالها.
—
العلاقات بين بلغاريا والأردن
تعد العلاقات الدبلوماسية بين بلغاريا والأردن نموذجًا للشراكة المستدامة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، حيث يمتد تاريخها الرسمي إلى عام 1968. وقد شهدت هذه العلاقات تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، تجسد في الزيارات الرسمية رفيعة المستوى ومذكرات التفاهم في مجالات الدفاع والأمن والتعليم والثقافة والسياحة.
وعلى صعيد القضايا الإقليمية، تتعاون بلغاريا والأردن بشكل وثيق. ففي أبريل 2025، استضافت صوفيا الاجتماع رفيع المستوى “عملية العقبة لشؤون البلقان” (Aqaba Process for the Balkans III)، الذي ترأسه كل من الرئيس رومن راديف والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. تهدف هذه المبادرة الدولية، التي أطلقها الملك عبد الله الثاني في عام 2015، إلى تعزيز التنسيق والتعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف، ومناقشة التحديات الأمنية المشتركة.
وفي هذا السياق، أعرب راديف عن دعم بلغاريا الكامل لجهود الأردن، وكذلك للجهود الشخصية للملك عبد الله الثاني، لإنهاء إراقة الدماء والدمار في قطاع غزة، والتغلب على الأزمة الإنسانية الحادة، وإيجاد حل سلمي عبر الدبلوماسية. وأشاد راديف بدور الأردن الريادي في العالم العربي، معتبرًا إياه “عامل استقرار معترفًا به في منطقة الشرق الأوسط” . كما أعرب عن تقدير بلاده للسياسة الأردنية المتسقة في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وهي السياسة التي وصفها بأنها ذات أهمية كبيرة للحد من تدفقات الهجرة نحو أوروبا.
ختاما، رغم أن النتائج لا تزال أولية، فإنها تعكس مؤشرات واضحة على تغير محتمل في التوازنات السياسية داخل بلغاريا، مع تصاعد المنافسة بين القوى الرئيسية وبروز فاعلين جدد على الساحة. وفي خضم هذه التحولات، يظل الدور الذي لعبه راديف في تعزيز العلاقات مع العالم العربي، ومواقفه الداعمة للحلول السلمية، من العوامل المهمة التي ترسم ملامح السياسة الخارجية البلغارية.








