بقلم | الأستاذ الدكتور حسن عبد الله البرماوي
النَّبِيُّ الخَاتَمُ وَالقُرْآنُ العَظِيمُ: الانْتِقَالُ المَعْرِفِيُّ وَبِنَاءُ الحَضَارَةِ
إهداء واستفتاح:
إلى العَقْلِ المُسْلِمِ البَاحِثِ عَنْ جُذُورِ التَّأْثِيرِ الحَضَارِيِّ؛ أُقَدِّمُ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ المَقَالِيَّةَ فِي ذِكْرَى المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، رَبْطاً بَيْنِ المِيلاَدِ المَادِيِّ لِلرَّسُولِ، وَالمِيلاَدِ المَعْرِفِيِّ لِلأُمَّةِ عَبْرَ نُزُولِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
التَّحَوُّلُ الحَضَارِيُّ: حَقَائِقُ وَمُؤَشِّرَاتٌ تَاَرِيخِيَّةٌ
لَمْ يَكُنِ المَوْلِدُ النَّبَوِيُّ فَبْرَايِر/رَبِيع الأَوَّلِ عَامَ 571 م مجرَّدَ حَدَثٍ شَخْصِيٍّ فِي جُغْرَافِيَا شِبْهِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ كَانَ التَّأْسِيسَ المَادِيَّ لأَعْظَمِ انْتِقَالٍ دِيمُوغْرَافِيٍّ وَثَقَافِيٍّ فِي التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ.
عِنْدَمَا وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَتِ النَّسَبُ الأُمِّيَّةُ فِي شِبْهِ الجَزِيرَةِ تَتَجَاوَزُ 95%، وَتَقْتَصِرُ المَعْرِفَةُ المَكْتُوبَةُ عَلَى سَبْعِ مُعَلَّقَاتٍ أَوْ زَهَاءِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً يُحْسِنُونَ الكِتَابَةَ فِي قُرَيْشٍ. وَخِلاَلَ 23 عاماً فَقَطْ مِنْ نُزُولِ الوَحْيِ (610 م – 632 م)، أَعَادَ القُرْآنُ الكَرِيمُ هَيْكَلَةَ هَذَا المَجْتَمَعِ المَعْرِفِيِّ:
المُنْحَنَى المَعْرِفِيُّ: أَنْشَأَ القُرْآنُ مجتَمَعاً يَدُورُ حَوْلَ النَّصِّ؛ فَأَصْبَحَتْ كَلِمَةُ “اقْرَأْ” النَّواةَ الأُولَى لِمَحْوِ الأُمِّيَّةِ، لِيَتَخَرَّجَ مِنْ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ جِيلٌ كَاتِبٌ وَقَارِئٌ أَدَارَ إِمْبَرَاطُورِيَّةً تَمْتَدُّ مِنْ تُخُومِ الصِّينِ إِلَى جِبَالِ البِرْنِيه.
ان الانْقِلاَبُ الأَخْلاَقِيُّ وَالأَثَرُ الدِيمُوغْرَافِيُّ: قَضَى النَّصُّ القُرْآنِيُّ المُنَزَّلُ عَلَى ظَوَاهِرَ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُتَجَذِّرَةٍ كَوَأْدِ البَنَاتِ وَالعَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، وَحَوَّلَ أَكْثَرَ مِنْ 300 قَبِيلَةٍ متَنَاحِرَةٍ إِلَى نَواةِ دَوْلَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ مَوَحدَةٍ خِلاَلَ أَقَلَّ مِنْ جِيلٍ وَاحِدٍ.
أَلِفُ المَوْلِدِ وَيَاءُ المُنَزَّلِ: الشَّخْصِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ كَوِعَاءٍ لِلْوَحْيِ
تَتَجَلَّى الرَّابِطَةُ العُضْوِيَّةُ بَيْنَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ وَنُزُولِ القُرْآنِ فِي التَّهْيِئَةِ الإِلَهِيَّةِ لِلشَّخْصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ. لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارُ زَمَانِ وَمَكَانِ المَوْلِدِ عَبَثاً، بَلْ كَانَ إِعْدَاداً لِلْوِعَاءِ الَّذِي سَيَحْمِلُ أَقْوَالَ الخَالِقِ.
عِنْدَمَا وصفت المُلْهَمَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي وَصْفِهِ بِقَوْلِهَا: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، كَانَتْ تَضَعُ أَيْدِيَنَا عَلَى المَفْهُومِ التَّطْبِيقِيِّ لِلرِّسَالَةِ:
التَّجَسُّدُ العَمَلِيُّ (المِعْيَارُ السُلُوكِيُّ): كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النَّسَخَ المَشْهُودَ لِلْقُرْآنِ. لَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ لِيَكُونَ فَلْسَفَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ وُلِدَ النَّبِيُّ لِيُحَوِّلَ الآيَاتِ إِلَى نَمَاذج حَيَّةٍ فِي العَدْلِ، وَالإِحْسَانِ، وَالإِدَارَةِ.
الـ 114 سُورَةً كَمَنَهْجٍ لِلْبِنَاءِ: خِلاَلَ 13 عاماً فِي مَكَّةَ (86 سُورَةً مَكِّيَّةً) تَمَّ بِنَاءُ العَقِيدَةِ وَالإِنْسَانِ، وَخِلاَلَ 10 أَعْوَامٍ فِي المَدِينَةِ (28 سُورَةً مَدَنِيَّةً) تَمَّ بِنَاءُ التشْرِيعِ وَالدَّوْلَةِ، ممَّا يَكْشِفُ عَنْ التَّدَرُّجِ التَّارِيخِيِّ المُنَظَّمِ .
إِنَّ المُقَارَنَةَ بَيْنَ لَحْظَةِ المَوْلِدِ وَحَاضِرِ الأُمَّةِ تَكْشِفُ عَنْ خَلَلٍ بَنِيَوِيٍّ؛ فَبَيْنَمَا يَبْلُغُ عَدَدُ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ زَهَاءَ 2 مِلْيَارِ نَسَمَةٍ (مَا يُمَثِّلُ أِكْثَرَ مِنْ 25% مِنْ سُكَّانِ الأَرْضِ)، إِلاَّ أَنَّ الفَاعِلِيَّةَ الحَضَارِيَّةَ وَالإِنْتَاجَ المَعْرِفِيَّ يَعَانِيَانِ مِنْ تَراجُعٍ حاد.
ان المَوْلِدُ النَّبَوِيُّ كَمَشْرُوعِ مُسْتَقْبَلٍ
والاحْتِفَالَ الحَقِيقِيَّ بِمَوْلِدِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ اسْتِحْضَارِ المَاضِي، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ إِعَادَةِ هَنْدَسَةِ العَقْلِ المُسْلِمِ بِمُوجَبِ القُرْآنِ.
وُلِدَ مُحَمَّدٌ لِيُعِيدَ لِلإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ عَبْرَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَنَزَلَ القُرْآنُ لِيَكُونَ دَلِيلَ عَمَلٍ لِلْحَضَارَةِ.
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْتَفِيَ بِالمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ، فَلْيَجْعَلْ مِنْ أُسْوَتِهِ القُرْآنِيَّةِ دَسْتُوراً فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ، وَالعِلْمِ، وَالخُلُقِ، لِتَعُودَ الأُمَّةُ كَمَا أَرَاَدَهَا اللهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.








