من القنصلية الفخرية إلى الجالية الأردنية.. عقدان من العمل الدبلوماسي الشعبي في صوفيا
مدخل: رجل جمع بين الدبلوماسية والعصامية
المنصة – يحتل الأستاذ الدكتور حسن عبدالله خلف البرماوي، ابن قرية برما في شمال الأردن، موقعا متفردا في مسيرة العلاقات الأردنية البلغارية المعاصرة. فمنذ أن نال ثقة ملكية سامية عام 2003 لتمثيل المملكة الأردنية الهاشمية قنصلا فخريا لدى جمهورية بلغاريا، تحول اسمه تدريجيا إلى عنوان رئيسي لكل جهد يربط الحاضرة الأردنية بنظيرتها البلغارية، مستفيدا من أكثر من أربعين عاما قضاها في صوفيا دارسا وباحثا ثم فاعلا اقتصاديا واجتماعيا بارزا.
لم يكن حضوره في هذا الملف حضورا بروتوكوليا عابرا، بل استند إلى معرفة عميقة بالبيئة البلغارية السياسية اكتسبها عبر مسيرته الأكاديمية في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي بصوفيا، وإلى شبكة علاقات راكمها على مدى عقود مع مؤسسات الدولة البلغارية ومجتمعها المدني، وهو ما أهله ليكون حلقة الوصل الأبرز بين المدينتين والبلدين في آن واحد.
تأسيس الجالية الأردنية في بلغاريا: البنية التحتية للفكرة
قبل أن تتبلور مبادرات التوأمة على شكلها الحالي، كان البرماوي قد أسس عام 2001 الجالية الأردنية في بلغاريا، وسجلها رسميا لدى وزارة العدل البلغارية، لتشكل هذه الخطوة أرضية تنظيمية ومؤسسية مهدت لكل ما تلاها من نشاط. فقد وفرت الجالية إطارا جامعا للمغتربين الأردنيين، كما مثلت في الوقت نفسه منصة فعلية للترويج للأردن وتسهيل التواصل مع الجهات البلغارية الرسمية والمحلية، بما مكّن البرماوي من الدفع بملفات التوأمة بين المدن بخطى أكثر ثباتا واستدامة.
شبكة التوأمة: عشر مدن أردنية تصافح نظيراتها البلغارية
على مدى سنوات عمله، ارتبط اسم البرماوي بشبكة من اتفاقيات التوأمة طالت أبرز الحواضر الأردنية، بدءا من العاصمة عمّان وصولا إلى قريته الأم برما، في مؤشر على أن هذا العمل لم يكن حكرا على المدن الكبرى بل امتد ليشمل تفاصيل الجغرافيا الأردنية كافة:

ما وراء البروتوكول: الأبعاد الثلاثة للتوأمة
دأب البرماوي في كتاباته ومحاضراته على التأكيد أن التوأمة بين المدن ليست فعلا شكليا أو احتفاليا، بل بوابة عملية نحو تعاون متعدد المستويات، ويمكن تلخيص هذه الرؤية في ثلاثة محاور رئيسية:
١. البعد السياحي
• توأمة البترا مع بلوفديف، وجرش مع سليفين، استثمارا لكون المدن الأربع مواقع أثرية وتاريخية ذات ثقل سياحي، بما يفتح الباب أمام تبادل الوفود السياحية وبرامج الترويج المشترك.
٢. البعد الاقتصادي
• توأمة العقبة مع فارنا بوصفهما مدينتين مينائيتين، وتوأمة الزرقاء مع بليفين بوصفهما مدينتين صناعيتين، بما يؤسس لتبادل الخبرات في اللوجستيات والصناعة والاستثمار.
٣. البعد الثقافي والأكاديمي
• فتح قنوات تبادل الطلبة والأساتذة بين المؤسسات التعليمية في المدن المتوأمة، بما يعزز الحضور الثقافي واللغوي المتبادل بين البلدين على المدى الطويل.
رصيد مؤسسي مواز: من الغرفة الاقتصادية إلى قاعة جامعة صوفيا
لم يقتصر إسهام البرماوي على ملف التوأمة، بل ترافق معه بناء رصيد مؤسسي أوسع عزز موقعه كجسر دائم بين البلدين. ففي عام 1998 أسس الغرفة البلغارية الأردنية للتعاون الاقتصادي في صوفيا وتولى رئاستها، لتصبح أداة فاعلة في دفع التبادل التجاري وجذب الاستثمارات، وهي الغرفة التي لا تزال تعمل حتى اليوم.
وفي الجانب الثقافي والأكاديمي، أهدى البرماوي باسم الأردن أكثر من 600 مجلد بحثي وكتاب من عيون الأدب العربي والإرث الحضاري الأردني إلى كلية اللغة العربية والدراسات السامية في جامعة صوفيا، في خطوة قابلتها الجامعة بتكريم استثنائي عام 2007 حين أطلقت اسمه على إحدى صالاتها، ليبقى هذا التكريم شاهدا حيا على عمق العلاقة الثقافية التي نسجها على مدى عقود.
خلاصة: نموذج للدبلوماسية الشعبية
تختصر شبكة التوأمة الممتدة من عمّان إلى برما، ومن صوفيا إلى سونغولاري، فلسفة عمل الدكتور حسن البرماوي القائمة على تحويل العلاقة الشخصية والمعرفة العميقة ببلد الإقامة إلى مكاسب وطنية ملموسة. فبين تأسيس الجالية الأردنية، ورئاسة الغرفة الاقتصادية المشتركة، وصياغة اتفاقيات التوأمة، يبرز نموذج متكامل للدبلوماسية الشعبية التي تكمل العمل القنصلي الرسمي وتمنحه عمقا مجتمعيا يتجاوز حدود البروتوكول.











































