...

رمم 200 ألف مصحف.. رحيل أيقونة خدمة القرآن في الأردن

رمم 200 ألف مصحف.. رحيل أيقونة خدمة القرآن في الأردن

المنصة – غيب الموت في الأردن الحاج محمد سالم عبد الله بني حمدان “العياصرة” (أبو زكريا)، صاحب واحدة من أكثر المبادرات الفردية إلهاماً في خدمة القرآن الكريم، بعد مسيرة امتدت لعقود كرّس خلالها حياته لجمع وترميم المصاحف والكتب العربية التالفة، في تجربة إنسانية ودينية نادرة تركت أثراً واسعاً في المجتمع الأردني.

الراحل، الذي ارتبط اسمه بمبادرة وصفت بأنها “أطهر مبادرة شخصية”، تمكن خلال حياته من ترميم ما يقارب 200 ألف نسخة من المصحف الشريف، بجهده الفردي وعلى نفقته الخاصة، في عمل تطوعي استثنائي جمع بين الإيمان العميق والعمل الميداني الدؤوب، ليحوّل شغفه إلى مشروع عمر كامل لخدمة القرآن الكريم وحفظ حروفه من الإهمال أو الإهانة.

بدأت رحلة أبو زكريا منذ سبعينيات القرن الماضي في بلدته “ساكب” بمحافظة جرش، حيث انطلقت الفكرة من دافع روحي ولغوي يتمثل في احترام اللغة العربية وإكرامها باعتبارها لغة القرآن الكريم. ومع مرور السنوات، توسعت مبادرته لتشمل مختلف محافظات الأردن، حيث كان يجمع المصاحف والكتب القديمة من البيوت والمساجد وحتى من أماكن التخلص من النفايات، قبل أن يعيدها إلى مشغله الخاص ليبدأ عملية الترميم الدقيقة.

ولم تكن عملية الترميم مجرد عمل يدوي، بل كانت منظومة متكاملة اعتمد فيها الراحل على أساليب منظمة في الفرز والتصنيف، بحيث يتم فصل المصاحف عن الكتب الأخرى، وتحديد ما يمكن إصلاحه وما يجب التعامل معه بطريقة تحفظ قدسية النصوص. كما ابتكر طريقة للتخلص من الأوراق التالفة بشكل يحترم قدسيتها، عبر الحرق الآمن ثم دفن الرماد في أماكن بعيدة حفاظاً على البيئة.

هذه المبادرة الفردية لاقت تقديراً واسعاً داخل الأردن، حيث نال الراحل إشادات رسمية وشعبية، واعتُبرت تجربته نموذجاً فريداً للمواطنة الصالحة والعمل التطوعي القائم على الإيمان والمسؤولية الفردية. كما عبّر كثيرون عن إعجابهم بإصراره على الاستمرار لعقود دون دعم مؤسسي كبير، مكتفياً بإيمانه العميق برسالته.

منصات التواصل تنعى رجلًا حمل القرآن على كتفيه

على مواقع التواصل الاجتماعي، ضجت منصات الأردنيين برسائل النعي والتقدير، حيث وصفه كثيرون بأنه “رجل حمل القرآن على كتفيه دون ضجيج إعلامي أو مصالح شخصية”. وكتب أحد المعلقين: “لم يكن مجرد رجل يرمم مصاحف، بل كان يحمي معنى الاحترام للقرآن في تفاصيل الحياة اليومية”. فيما اعتبر آخرون أن سيرته تمثل درساً في الإخلاص والعمل الصامت الذي لا يبحث عن الشهرة.

كما أشار مواطنون إلى أن قصة أبو زكريا يجب أن تُدرّس كقدوة للأجيال الشابة، لأنها تعكس كيف يمكن لفكرة فردية بسيطة أن تتحول إلى أثر وطني كبير. وعبّر آخرون عن أسفهم لغياب مثل هذه النماذج في ظل تسارع الحياة وتراجع المبادرات الفردية ذات البعد القيمي والروحي.

في المقابل، دعا ناشطون إلى توثيق تجربته بشكل مؤسسي، سواء عبر مؤلفات أو أفلام وثائقية، لضمان بقاء هذه الذاكرة حية في الوعي العام، باعتبارها نموذجاً نادراً يجمع بين الإيمان والعمل التطوعي والاستدامة الأخلاقية.

ويجمع الأردنيون اليوم على أن رحيل الحاج العياصرة لا يطوي مجرد سيرة شخص، بل يغلق صفحة من العمل الإنساني الصامت الذي كان يربط بين الإيمان والتطبيق العملي، ويؤكد أن القيم يمكن أن تتحول إلى أفعال ملموسة تصنع فرقاً حقيقياً في المجتمع.

رحل أبو زكريا، لكن إرثه الذي تجاوز مئات الآلاف من المصاحف المرممة سيبقى شاهداً على تجربة استثنائية، صنعتها يد واحدة وإيمان واحد، ورسالة واحدة مفادها أن خدمة القرآن ليست شعاراً، بل عمل يومي متواصل يحتاج إلى صدق وإخلاص لا حدود لهما.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.