...

لفتة تُروى لا تُصوَّر: حين يتوقف ولي العهد عند عامل الوطن

لفتة تُروى لا تُصوَّر: حين يتوقف ولي العهد عند عامل الوطن

المنصة – مزن السفاريني

لفتة تُروى لا تُصوَّر: حين يتوقف ولي العهد عند عامل الوطن

لم تكن مصافحة عابرة، ولم تكن لقطة أُعدّت مسبقاً لعدسات الإعلام. كانت لحظة خرجت عن السيناريو المتوقع لزيارة رسمية، حين توقف سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عن مساره المرسوم داخل دائرة الأحوال المدنية والجوازات، ليمدّ يده مصافحاً عامل النظافة نصر نوفال، ويضع يده على كتفه بدفء لا تخطئه العين.

في الصورة التي التقطت تلك اللحظة، يبدو المشهد بسيطاً في ظاهره: رجلان يتصافحان وسط ممر مزدحم بالمسؤولين والمرافقين. لكن في عمقه، يحمل هذا المشهد رسالة أكبر بكثير من حجمه.

فبينما تتجه أغلب الأنظار في أي زيارة رسمية نحو أصحاب المناصب والمواقع، اختار ولي العهد أن يمنح التفاتته الإنسانية لمن لا يقف عادة في الصفوف الأمامية، لعامل يؤدي عمله اليومي بصمت، دون أن ينتظر أن يراه أحد.

هذه اللحظة، وإن بدت قصيرة بالزمن، تختصر فلسفة راسخة في النهج الهاشمي: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بموقعه الوظيفي، وأن كرامة المواطن العادي لا تقل شأناً عن كرامة صاحب القرار.

فحين يلتفت ولي العهد إلى نصر نوفال، فإنه في الحقيقة يلتفت إلى آلاف العاملين الذين يشكلون العمود الفقري الصامت لأي مؤسسة، أولئك الذين نادراً ما تُروى قصصهم أو تُلتقط ابتساماتهم.

واللافت أن هذه اللفتة لم تأتِ منفصلة عن جوهر الزيارة، بل جاءت متسقة تماماً مع رسالتها. فقد أكد سموه خلال جولته على أهمية استكمال أتمتة الخدمات تسهيلاً على المواطنين، وشدد على ضرورة تكثيف الحملات التوعوية حول خدمات تطبيق “سند” وكيفية إنجازها إلكترونياً، كما شدد على تسريع إنجاز معاملات الراغبين بإنجازها وجاهياً، ومراعاة الاحتياجات المختلفة لجميع المراجعين.

وهنا يتضح الخيط الذي يربط بين الشق التقني للزيارة وبين لحظتها الإنسانية: فكلاهما يصب في همّ واحد، هو المواطن، سواء كان جالساً على مقعد ينتظر دوره، أو واقفاً بزيّ العمل يمسح أرضية الممر.

إن الأتمتة والتسهيلات الإلكترونية، مهما بلغت من تطور، تبقى وسيلة لا غاية، وغايتها الأخيرة هي راحة الإنسان وكرامته. ومصافحة عامل النظافة لم تكن خروجاً عن هذا المعنى، بل تجسيداً حياً له: فالمؤسسة التي تُبنى خدماتها حول الإنسان، لا يمكن أن تنسى إنسانها في الداخل قبل أن تخدم إنسانها في الخارج.

في زمن باتت فيه الصورة الرسمية غالباً محسوبة الحركة، محسوبة الابتسامة، تأتي لحظات كهذه لتذكّر بأن أصدق اللغات هي لغة الفعل التلقائي، غير المرتب. فحين يمد ولي العهد يده لمصافحة عامل بسيط، فإنه لا يمنحه تكريماً عابراً فحسب، بل يمنح الوطن كله درساً في أن العدل يبدأ من التفاتة، وأن القيادة الحقيقية تُقاس أحياناً بمن تتذكره حين لا تنتظر الكاميرا لقطتها.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.