عمان – المنصة
كل شيء عن الوقود ولا شيء عن الأرقام: “الكهرباء الوطنية” تتحدث عن خسائرها بلا خسائر
تحت عنوان يعد بالحديث عن “الخسائر والمديونية”، أصدرت شركة الكهرباء الوطنية للمملكة رداً على استفسارات صحفية أقرّت فيه بأن ارتفاع أسعار الوقود عالمياً “ينعكس على القوائم المالية كخسائر تشغيلية مباشرة وتراكم المديونية”.
غير أن الرد، بعد قراءته كاملاً، لا يتضمن رقماً واحداً عن حجم هذه الخسائر أو تلك المديونية؛ فكل ما ورد فيه أرقام عن نسب خليط الوقود المستخدم في التوليد، لا عن كلفته ولا عن أثره المالي الفعلي.
وبينما اكتفت الشركة بالحديث عن نسب عامة، تكشف مصادر ومناقشات برلمانية جرت قبل أشهر فقط أن الخسائر المتراكمة لشركة الكهرباء الوطنية بلغت نحو 6.56 مليار دينار حتى منتصف أيار 2026، بعد أن وصفها رئيس مجلس إدارتها نفسه بأنها “لا تسمح بالاستمرار على النهج الحالي”.

عنوان عن “الخسائر”… ومحتوى عن نسب الوقود فقط
اقتصر رد الشركة على شرح خليط مصادر الطاقة المستخدمة في التوليد: تراجع حصة الغاز من 63% في عام 2025 إلى 56% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، وارتفاع حصة الطاقة المتجددة من 18% إلى 21%، إلى جانب زيادات طفيفة في حصص الديزل والوقود الثقيل والربط الكهربائي المصري.
هذه أرقام تقنية مفيدة، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يفترض أن يكون محور الرد: كم بالضبط ارتفعت كلفة التوليد؟ وكم من هذا الارتفاع تحوّل فعلياً إلى خسارة؟
أسئلة كان يفترض أن يتضمنها الرد
إذا كانت الشركة تعرف بدقة نسب كل مصدر من مصادر التوليد حتى الرقم العشري، فلماذا تتجاهل ذكر رقم واحد عن حجم الخسائر أو المديونية الحالية عند سؤالها عنهما تحديداً؟
هل “استفسارات المملكة” لم تتضمن سؤالاً مباشراً عن الرقم الإجمالي للخسائر، أم أن الشركة اختارت تفادي الإجابة عنه؟
لماذا يعرف النواب في اللجان البرلمانية رقم الخسائر (6.56 مليار دينار) بينما لا يظهر هذا الرقم في رد رسمي للشركة عن الموضوع نفسه؟
مقارنة غير متكافئة: عام كامل مقابل ثمانية أشهر
اعتمدت الشركة في عرض بياناتها على مقارنة نسب عام 2025 كاملاً بنسب الأشهر الثمانية الأولى فقط من عام 2026، وهي مقارنة تحمل خللاً منهجياً؛ إذ إن أنماط استهلاك الوقود وحصص التوليد تتفاوت بين فصول السنة (خصوصاً بين ذروة الصيف وبقية العام)، ما يجعل مقارنة “عام كامل” بـ”ثمانية أشهر فقط” غير دقيقة إحصائياً، ويحتاج إلى توضيح ما إذا كانت الأشهر الأربعة المتبقية من المتوقع أن تغيّر الصورة.
أسئلة عن منهجية عرض البيانات
لماذا لم تُقارَن الأشهر الثمانية الأولى من 2026 بالفترة المقابلة نفسها من 2025 بدلاً من مقارنتها بعام كامل؟
هل تتوقع الشركة أن ترتفع حصة الغاز مجدداً في الأشهر المتبقية من 2026، أم أن التراجع إلى 56% نمط ثابت سيستمر حتى نهاية العام؟
وقود أغلى، وربط مصري متزايد… بلا كلفة معلنة
من اللافت أن الحصص التي ارتفعت في خليط التوليد بين عامي 2025 و2026 هي غالباً الأكثر كلفة: الوقود الثقيل من 1% إلى 3%، والديزل من صفر إلى 1%، والربط الكهربائي المصري من 1% إلى 3%، في مقابل تراجع الغاز الأرخص نسبياً من 63% إلى 56%.
ورغم أن هذا التحول يرفع كلفة التوليد منطقياً، لم يتضمن رد الشركة أي تقدير رقمي للفارق في الكلفة الناتج عن هذا التحول تحديداً.
أسئلة عن الكلفة الفعلية للتحول في مصادر الطاقة
ما الكلفة الإضافية الفعلية الناتجة عن إحلال الغاز بوقود أغلى كالديزل والوقود الثقيل والاستيراد المصري؟
هل استيراد الكهرباء من مصر أرخص أم أغلى من التوليد المحلي بالغاز، ولماذا لا تُنشر هذه المقارنة السعرية بشكل دوري؟
غاز الريشة والباخرة العائمة: وعود “قيد الدراسة”
أكدت الشركة أن غاز حقل الريشة “يُستخدم حالياً بشكل يومي… ضمن الكميات المتاحة”، وأنها “تبحث” مع شركة البترول الوطنية الاستفادة من كميات إضافية “مستقبلاً”، كما أشارت إلى أن باخرة التخزين والتغييز في العقبة “تمنح خيار استيراد الغاز المسال عند الحاجة”.
الصياغة في الحالتين مستقبلية ومفتوحة: لا كمية محددة لإنتاج الريشة الحالي، ولا جدول زمني لزيادته، ولا مقارنة كلفة بين الغاز المسال المستورد عبر الباخرة والغاز الموردّ عبر خطوط الأنابيب التقليدية.
ما الكمية الفعلية التي ينتجها حقل الريشة يومياً الآن، ولماذا يصعب ذكر رقم محدد رغم أن الاستخدام “يومي” بالفعل؟
كم تكلف تعبئة الغاز المسال عبر باخرة العقبة مقارنة بمصادر التوريد الأخرى، وهل هذا الخيار “عند الحاجة” مكلف بما يبرر اللجوء إليه فقط في الحالات الطارئة؟
إلى متى ستبقى عبارات “تبحث” و”مستقبلاً” و”تتابع بشكل مستمر” بديلاً عن أرقام وجداول زمنية ملموسة في كل بيان يتعلق بمديونية شركة تتجاوز خسائرها المتراكمة 6.5 مليار دينار؟
خلاصة
الرد الذي قدمته شركة الكهرباء الوطنية يجيب بإسهاب عن سؤال “من أين يأتي الوقود”، ويصمت تماماً عن السؤال الذي يحمله عنوان الاستفسار نفسه: “كم بلغت الخسائر والمديونية فعلياً؟”.
وبينما تتداول اللجان البرلمانية رقم 6.56 مليار دينار كخسائر متراكمة، يبقى غياب هذا الرقم – أو أي رقم مشابه – عن ردود الشركة الرسمية على الصحافة مؤشراً على فجوة بين ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة وما يُقال علناً للمواطن الذي يتحمل في النهاية فاتورة الكهرباء وفاتورة الدين معاً.







