57 مليون دينار وجاهزية تتجدد كل شتاء: ماذا تغيّر منذ أن “فاقت الأمطار قدرة البنية التحتية”؟

57 مليون دينار وجاهزية تتجدد كل شتاء: ماذا تغيّر منذ أن "فاقت الأمطار قدرة البنية التحتية"؟

عمان – المنصة

57 مليون دينار وجاهزية تتجدد كل شتاء: ماذا تغيّر منذ أن “فاقت الأمطار قدرة البنية التحتية”؟

أعلنت وزارة الإدارة المحلية، على لسان أمينها العام للشؤون الفنية محمد العموش (السبت)، أنها بدأت مبكراً استعداداتها للموسم المطري بتوجيه البلديات إلى تنظيف مجاري الأودية وتوسعتها وتنظيف العبارات وقنوات التصريف، وتنفيذ مشاريع لمعالجة البؤر الساخنة التي تضررت في الموسم الماضي، وأن حجم المشاريع التي تنفذها البلديات أو نفذتها لهذه الغاية يبلغ نحو 57 مليون دينار.

وقال إن الوزارة استفادت من «الدروس المستفادة» من الموسم الماضي، وتعتمد على نظام وخارطة إنذار مبكر تحدد الجنوب والبادية والمناطق الشرقية بوصفها الأكثر تأثراً، وإن الأوضاع في المناطق التي بدأت فيها الأمطار «تحت السيطرة وجيدة» حتى وقت التصريح.

خبر مطمئن في ظاهره، لكنه يتكرر بصيغ متقاربة في كل شتاء، ويستدعي قبل التصفيق أسئلة عن الرقم، وعن الدروس، وعمّا أُنجز فعلاً، وعن موقع المواطن من هذا «الاستعداد».

57 مليون دينار وجاهزية تتجدد كل شتاء: ماذا تغيّر منذ أن "فاقت الأمطار قدرة البنية التحتية"؟

57 مليوناً… من أين جاءت؟

في 13 كانون الثاني، وبعد أمطار تراوحت بين 70 و80 ملم في البلقاء ومادبا أغلقت شوارع وأنفاقاً، قال وزير الإدارة المحلية وليد المصري إن الهطول فاق قدرة البنية التحتية، وإن شبكات في مناطق عدة يزيد عمرها على 20 عاماً ولم تعد تستوعب الأمطار الغزيرة المتكررة، وإن بؤراً ساخنة تحتاج إلى معالجات هندسية شاملة في الزرقاء والهاشمية ومادبا والكرك ومؤتة والمزار وبلدة العراق.

وأعلن يومها خطة برصد 10 ملايين دينار حكومية، و4 ملايين من البلديات، و10 ملايين «متوقعة» من القطاع الخاص، أي 24 مليوناً، بعضها لمعالجة فورية وبعضها يحتاج وقتاً أطول.

واليوم يتحدث الأمين العام عن نحو 57 مليوناً «تنفذها البلديات أو نفذتها»، دون تفصيل: كم منها حكومي وكم بلدي وكم من القطاع الخاص؟ وكم أُنجز وكم لا يزال في مرحلة العطاءات؟ وهل تدخل فيه مشاريع سبقت الانهيارات ولا علاقة لها بها؟ والمقارنة المباشرة بين الرقمين غير ممكنة لاختلاف النطاق، وهذا بالذات ما يستوجب التوضيح.

57 مليون دينار وجاهزية تتجدد كل شتاء: ماذا تغيّر منذ أن "فاقت الأمطار قدرة البنية التحتية"؟

أسئلة عن الرقم

أي رقم نصدّق: 24 مليوناً أعلنها الوزير في كانون الثاني، أم 57 مليوناً يذكرها الأمين العام في تشرين الأول؟ وإن كان الفارق 33 مليوناً، فمن أين جاء ومن موّله؟

هل تحققت فعلاً الـ10 ملايين التي كان يُتوقع أن يسهم بها القطاع الخاص، أم بقيت «متوقعة»؟

ما معنى مبلغ يجمع ما «نُفِّذ» وما «يُنفَّذ» في رقم واحد؟ أليس هذا خلطاً بين ما أُنجز وما لا يزال على الورق؟

كم عدد البؤر الساخنة الإجمالي في الأردن، وكم منها عولج فعلاً قبل أول منخفض؟ ولماذا لا تُنشر قائمة بأسماء المواقع ونسب الإنجاز؟

عن أي «دروس مستفادة» نتحدث؟

يقول الأمين العام إن الوزارة استفادت من الدروس المستفادة من الموسم الماضي، لكنه لا يذكر درساً واحداً بعينه. والمعلن عن الوزارة نفسها يشير إلى ما هو أبعد من درس: فالوزير قال في كانون الثاني إن عبارات في الكرك ومؤتة والمزار وبلدة العراق «مصممة» بما لا يستوعب الكميات المتدفقة وتحتاج إلى إعادة إنشاء، أي أن المشكلة في التصميم لا في التنظيف وحده.

غير أن الإعلان الأخير يضع في الصدارة تنظيف الأودية والعبارات وتوعية مربي الأغنام، وهي إجراءات تتكرر كل عام، ويأتي إنشاء العبارات الصندوقية والأنبوبية في سياق ثانوي بلا مواقع ولا جداول زمنية.

وفي الكرك تبدو الصورة أوضح: فبعد نحو تسعة أشهر على انهيار جزء من سور المدينة التراثي بفعل الأمطار، كانت الجهات المعنية لا تزال تستعد لطرح أعمال إعادة تأهيله حين نُشر ذلك في أواخر الصيف. وقال الوزير أمام مجلس النواب في آب إن ضمان عدم انهيار ما تبقى من السور سيكون قبل نهاية العام، فيما قد تستغرق إعادة تركيب بقية الأحجار وقتاً أطول، وإن الساحة التي تركها المقاول أدت إلى تجمع المياه وتفاقم المشكلة.

أسئلة عن الدروس والتنفيذ

ما هي بالتحديد «الدروس المستفادة» التي تتحدث عنها الوزارة؟ ولماذا لا تُعلن للرأي العام كما يُعلن الرقم؟

إذا كان الوزير قد أقرّ في كانون الثاني بأن عبارات في الكرك ومؤتة والمزار وبلدة العراق لا تكفي وتحتاج إلى إعادة إنشاء، فهل أُعيد إنشاؤها فعلاً قبل هذا الموسم، أم ما زالت في العطاءات؟

كيف يُقدَّم «تنظيف العبارات» بوصفه استعداداً، وهو عمل صيانة يُفترض أن يكون روتينياً على مدار العام لا إنجازاً موسمياً؟

وماذا عن سور الكرك: كيف يُنتظر تأمين ما تبقى منه «قبل نهاية العام» بينما تهطل الأمطار الأولى الآن؟ وماذا لو سبقت الأمطار الموعد؟

استعداد «مبكر» يُعلَن كل عام

قبل الموسم الماضي أيضاً أُعلنت جاهزية بغرف عمليات وآليات وفرق ميدانية، ثم أغلقت السيول شوارع وأنفاقاً في البلقاء ومادبا والزرقاء والرصيفة، بحسب ما قاله الوزير نفسه.

ويتكرر العنوان ذاته هذا الأسبوع بصيغ متعددة من الإدارة المحلية والأشغال والبلديات، فيما تشير الأخبار المرافقة إلى أن بعض المشاريع لم يبدأ بعد أو لن ينتهي قبل نهاية العام: عطاء ثالث في بلدية الكرك الكبرى يبدأ خلال الأيام العشرة المقبلة، ومشروع في عجلون بنحو مليون دينار يُتوقع إنجازه قبل نهاية العام، وعطاء لمعالجة 13 موقعاً في مادبا بقيمة مليون دينار طُرح في آب. أي أن «الاستعداد» يُعلن في تشرين الأول لمشاريع تكتمل، إن اكتملت، بعد بدء الموسم.

أسئلة عن تكرار الخطاب
لماذا يُعلن «الاستعداد المبكر» في تشرين الأول لمشاريع لم تبدأ أو لن تنتهي قبل نهاية العام؟ أليس هذا استعداداً متأخراً بوصف مبكر؟

إذا كانت العبارات والمجاري تُنظَّف كل عام، فلماذا تُغلق الشوارع والأنفاق كل عام؟ وماذا يقول ذلك عن جدوى التنظيف وحده؟

هل أُعلن يوماً، بعد انتهاء موسم، تقييم علني يقارن الجاهزية المعلنة بما وقع فعلاً؟ ومتى سيُنشر تقييم هذا الموسم؟

لماذا لا تُنشر خارطة الإنذار المبكر التي تستند إليها الوزارة، ليعرف الأهالي إن كانت مناطقهم من الأكثر عرضة؟

والمواطن؟ مطلوب منه الابتعاد

يتضمن الإعلان توجيهاً بتوعية المواطنين، ولا سيما مربي الأغنام، بالابتعاد عن الأودية ومجاري السيول. وهو توجيه ضروري، لكنه ينقل جزءاً من عبء الاستعداد إلى المواطن.

وكان الوزير قد حذر في كانون الثاني من السكن في حرم الأودية والمناطق المنخفضة، وقال إن الوزارة ستتخذ الإجراءات اللازمة بهذا الشأن، دون أن يتبين في الإعلان الأخير ما الذي اتُّخذ فعلاً.

أسئلة عن المواطن
ما الإجراءات التي اتخذتها الوزارة بحق السكن في حرم الأودية والمناطق المنخفضة، بعدما أعلنت في كانون الثاني أنها ستتخذها؟

هل يكفي أن يُطلب من مربي الأغنام الابتعاد عن الأودية، دون إنذار مباشر ووسائل وصول إليهم في وقت كافٍ؟

وهل يكفي أن تُوصف الأوضاع بأنها «تحت السيطرة» في ساعات المطر الأولى، قبل أن تظهر الذروة التي تقيس الجاهزية فعلاً؟

خلاصة

الأرقام الكبيرة لا تصنع جاهزية، وإنما يصنعها التفصيل: موقع، وكلفة، وجهة منفذة، وتاريخ إنجاز، ونسبة تنفيذ. وإلى أن يُنشر ذلك، سيبقى كل شتاء اختباراً لا لصلابة العبارات وحدها، بل لصدقية العناوين التي تسبقه. فهل نقرأ العام المقبل خبراً جديداً عن مبلغ أكبر واستعداد أبكر، أم عن شوارع لم تغرق وسور أُعيد بناؤه؟

Scroll to Top