بقلم – د.محمد ابو رمان
هل يستطيع دونالد ترامب أن يخرج من المأزق الإيراني عبر «مشروع الحرية+»، أم أنّ المشروع ليس سوى محاولة لغوية جديدة لتغطية حقيقة استراتيجية قاسية: أنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض النهايات التي تريدها في الشرق الأوسط؟ هذا هو السؤال الذي يفرضه مقال روبرت كاغان الأخير في مجلة اتلانتيك The Atlantic ( ١٠ أيار/مايو ٢٠٢٦) بعنوان «كش ملك في إيران» : Checkmate in Iran، وتحت عنوان فرعي أكثر صراحة: «واشنطن لا تستطيع عكس أو ضبط نتائج خسارة هذه الحرب.»
أهمية مقال كاغان أنه أحد أبرز الأصوات المحافظة التي دافعت طويلاً عن القوة الأميركية وعن مركزية الدور الأميركي في النظام الدولي. وهو من المدرسة التي آمنت طويلاً بالقوة الأميركية وبإعادة تشكيل الشرق لأوسط، وهو من أبرز منظّري مركز القرن الجديد الأميركي، الذي كان له دور كبير في التنظير لتيار المحافظين الجدد والحزب الجمهوري، والذي كان له دور كبير في الترويج لاحتلال العراق في العام 2003.
يبدأ كاغان من مقارنة تاريخية مهمة تتمثل في أنّ الولايات المتحدة تعرّضت لهزائم وانتكاسات كبرى، من بيرل هاربر إلى فيتنام والعراق وأفغانستان، لكن تلك الهزائم بقيت قابلة للتأويل أو التعويض أو إعادة الترميم، أما في الحالة الإيرانية، فإنّ ما تواجهه واشنطن هي هزيمة من نوع مختلف؛ هزيمة لا تكمن في عدد الطائرات أو السفن أو المواقع التي دُمّرت، بل في فقدان القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نصر سياسي. هنا بالضبط تكمن عبارة «كش ملك»: ليست إيران أقوى عسكرياً من الولايات المتحدة، لكنها نجحت في نقل المواجهة إلى رقعة لا تستطيع واشنطن التحكم بها بالكامل.
في هذا السياق يعكس»مشروع الحرية+»، الذي لوّح به ترامب بعد رفضه الرد الإيراني، مأزق ترامب ومحدودية الخيارات في التعامل مع الورقة الجديدة الأكثر خطورة، وهي مضيق هرمز، وهنا بيت القصيد فترامب يتعامل مع المضيق بوصفه مسألة عبور سفن، بينما تتعامل إيران معه بوصفه ورقة سيادة وردع وتفاوض، ولم يبالغ نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني عندما وصف ورقة المضيق بأنّها أكثر أهمية من البرنامج النووي اليوم بالنسبة لإيران، لأنّها هي التي منحت طهران مصدر قوة كبيرا ليس في المرحلة الحالية فحسب، بل على صعيد الترتيبات الإقليمية القادمة.
يقرّ كاغان أنّ ترامب اليوم أمام خيارات كلها سيئة: إن صعّد عسكرياً، فقد يوسّع الحرب ويزيد اضطراب الطاقة والملاحة؛ وإن قبل بتسوية مؤلمة، فسيظهر كمن حارب ثم فاوض على شروط لم يكن يريدها؛ وإن بقي في المنتصف، فسيتحول المضيق إلى اختبار يومي لمصداقية القوة الأميركية. المفارقة أنّ ترامب الذي قدّم نفسه بوصفه رجل الصفقات، يجد نفسه أمام خصم لا يريد أن يمنحه صفقة إنقاذ. وقد أشارت The Atlantic في مقال آخر إلى أنّ ترامب يريد إنهاء الحرب، وأنه متعب منها، لكن إيران تبدو قادرة على الاستمرار أشهراً، أو على الأقل غير مستعدة لتقديم مخرج يحفظ له رواية النصر.
لا يدّعي كاغان إنّ إيران أصبحت قوة عظمى، ولا إنّ أميركا فقدت أدواتها العسكرية، بل يقول إنّ واشنطن فقدت القدرة على التحكم بعواقب الحرب التي بدأتها. وهذا بالضبط ما يجعل «مشروع الحرية+» سؤالاً لا جواباً. فالمشروع قد يفتح ممراً بحرياً لساعات، لكنه لن يفتح طريقاً سياسياً للخروج من المأزق. وقد يعيد بعض الهيبة التكتيكية، لكنه لا يعالج الخسارة الاستراتيجية: أنّ الردع الأميركي لم يعد يُقرأ في المنطقة بوصفه قدرة على الحسم، بل بوصفه قدرة على التصعيد من دون ضمانات.








