المنصة – عاد الجدل مجدداً في الأردن حول ملف “حبس المدين”، بعد تصاعد الدعوات المطالبة بإعادة العمل بالعقوبات السالبة للحرية بحق المتعثرين مالياً، وسط انقسام واضح بين مؤيدين يرون أن الحبس وسيلة فعالة لضمان الحقوق المالية، وآخرين يعتبرون أن العودة إليه تمثل تراجعاً عن إصلاحات قانونية واجتماعية مهمة.
الخبير القانوني المحامي محمد الصبيحي أكد أن التراجع عن إلغاء حبس المدين “غير مستحب”، مشيراً إلى أن التعديلات الأخيرة على قانون التنفيذ لم تأخذ وقتها الكافي لإظهار نتائجها الكاملة، لكنها ساهمت – بحسب وصفه – في إعادة النشاط التجاري إلى “حجمه الطبيعي” بعد سنوات من التضخم الناتج عن التوسع في الشيكات والقروض والدفع المؤجل.
ويرى الصبيحي أن العودة إلى حبس المدين تعني عملياً العودة إلى الأسباب التي دفعت الدولة أصلاً لتعديل القانون، موضحاً أن الحبس، رغم فعاليته في تحصيل الديون، خلّف آثاراً اجتماعية وأسرية كبيرة، فضلاً عن الاكتظاظ داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
وأضاف أن كثرة التعديلات القانونية تربك البيئة الاقتصادية وتضعف الثقة بالتشريعات، معتبراً أن الاستقرار القانوني عنصر أساسي لجذب الاستثمار وتنظيم التعاملات المالية.
ردود فعل الشارع الأردني بشأن عودة حبس المدين
في المقابل، تباينت ردود فعل الأردنيين تجاه إعادة طرح الملف للنقاش، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسب التعثر المالي بين الأفراد وأصحاب المشاريع الصغيرة.
فئة من المواطنين أبدت تأييدها لعودة حبس المدين، معتبرة أن غياب العقوبة شجع بعض الأشخاص على التهرب من سداد الالتزامات المالية، وأضعف قدرة أصحاب الحقوق على تحصيل أموالهم.
ويقول مواطنون إن بعض الدائنين، خصوصاً أصحاب المحال التجارية والمشاريع الصغيرة، تعرضوا لخسائر كبيرة نتيجة تعثر المدينين وعدم وجود أدوات ضغط كافية لإلزامهم بالسداد، ما تسبب بإرباك مصالحهم وأثر على استمرارية أعمالهم.
في المقابل، عبّر آخرون عن رفضهم القاطع للعودة إلى الحبس، معتبرين أن الأزمة الاقتصادية الحالية جعلت آلاف الأردنيين غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم، ليس تهرباً وإنما بسبب الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع كلف الحياة.
ويؤكد معارضون للفكرة أن سجن المدين لا يحل المشكلة المالية، بل يفاقمها، إذ يؤدي إلى فقدان الوظيفة وتفكك الأسرة وحرمان العائلات من مصدر دخلها الأساسي، ما يخلق أزمات اجتماعية جديدة تتجاوز مسألة الدين نفسه.
بين الحقوق والإصلاح الاقتصادي
ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز البعد القانوني إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع، خاصة مع تزايد الاعتماد على القروض والتسهيلات المالية في الحياة اليومية للمواطنين.
ويشير خبراء إلى أن الحل لا يكمن فقط في إعادة الحبس أو إلغائه، بل في تطوير أدوات قانونية وضمانات مالية أكثر فاعلية، توازن بين حماية حقوق الدائنين ومنع انهيار الأسر المتعثرة مالياً.
كما تتصاعد الدعوات لتعزيز الثقافة المالية، وتشديد الرقابة على الإقراض غير المنظم، ووضع آليات تسوية عادلة تساعد على السداد دون الوصول إلى السجن.
وبين مطالب حماية الحقوق المالية ومخاوف تفاقم الأزمات الاجتماعية، يبقى ملف حبس المدين واحداً من أكثر القضايا القانونية والاقتصادية حساسية في الأردن، وسط ترقب لأي توجهات تشريعية جديدة قد تعيد رسم العلاقة بين الدائن والمدين في المرحلة المقبلة.








