بقلم: أ. د. حسن البرماوي
ليس الانتماء مجرد حقيقة جغرافية، ولا ينتهي عند ختمٍ على وثيقة شخصية؛ بل هو حالة وجدانية تنبع من الحب والتفاني والامتنان للمكان وللأشخاص الذين احتضنوك وصاغوا شخصيتك.
وبحكم أنني قضيتُ من أثمن سنوات عمري في بلغاريا، ونلتُ فيها تعليمي الجامعي العالي، وبنيتُ أُسرةً تعود جذورها إلى هذا البلد الطيب، فإنني أحمل في قلبي رابطةً عميقة لا تنفصم مع بلغاريا. إن الشعب البلغاري يمتلك دفئًا وضيافةً فريدة؛ فهو لا ينظر إلى الغريب كعابر طريق، بل كصديقٍ قريب. ولهذا، ليست بلغاريا بالنسبة لي مجرد مكانٍ للدراسة، بل هي بيتٌ وثقافةٌ وقيمٌ أحملها معي أينما حللت.
; «لا يُقاس الانتماء الحقيقي بحدود مسقط الرأس، بل بالحب الذي تمنحه، وبالأفعال التي تجيب بها على الخير الذي لقيته.»
الواجب الأخلاقي لنشر التعريف ببلغاريا
اليوم، ومن موقع خبرتي والتزامي المجتمعي في الأردن، أؤمن أننا جميعًا — خريجي الجامعات البلغارية وكل من يرتبط بهذا البلد — نحمل واجبًا أخلاقيًا. تستحق بلغاريا أن نُساندهـا، وأن نُبرز أصالتها ونعرّف بها في العالم العربي بكل ألقها، وبغنى تاريخها وثقافتها وإمكاناتها الأكاديمية.
يكنُّ الشعب الأردني احترامًا صادقًا لبلغاريا، غير أن هناك مساحة واسعة لمبادرات جديدة ومبتكرة تُطلق هذه الإمكانات وترتقي بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أعلى.
مبادرات عملية لتعزيز حضور بلغاريا في الأردن
ولتحويل امتناننا إلى عملٍ ملموس، ينبغي تنفيذ استراتيجيات محددة وعصرية في عدة مجالات رئيسية:
* جسور تعليمية وتعاون أكاديمي: تنظيم معارض متخصصة في الأردن للتعليم العالي البلغاري، وبرامج جامعية مشتركة، وتقديم منحة دراسية للطلبة الأردنيين. إن التعليم البلغاري مرموق ومتاح، ويجب تقديمه للجيل الأردني الجديد.
* أيام ثقافية وفعاليات إعلامية بلغارية: إقامة أيام منتظمة للثقافة والسينما والفلكلور والمطبخ البلغاري في عمّان، ونشر مواد تحليلية وثقافية دورية في وسائل الإعلام الأردنية والبلغارية تسلط الضوء على التاريخ والمشهد المعاصر للبلدين.
* شراكة اقتصادية وتجارية: تفعيل منتدى الأعمال الثنائي وتشجيع الشراكات بين الشركات البلغارية والأردنية في مجالات مثل الصيدلة، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الدفاعية.
* سياحة ثقافية وعلاجية: الترويج لبلغاريا كوجهة رائدة للسياحة العلاجية والمنتجعات الصحية، والجولات التاريخية، والمعالم الطبيعية أمام العائلات والمستثمرين الأردنيين.
* شبكة خريجين نشطة: توحيد جهود جميع المواطنين الأردنيين الذين أتموا تعليمهم في بلغاريا ضمن شبكة فاعلة تعمل كـ «سفير للنوايا الحسنة» في الحياة المجتمعية والاقتصادية في الأردن.
الخاتمة: دعوة للعمل البنّاء
لقد منحتنا بلغاريا العلم، واحتضنتنا بالدفء، ووفّرت لنا البيت والأسرة. وحان دورنا اليوم — بالعمل والأخلاق والتفاني — لنثبت أن هذا الحب متبادل. إن التعريف ببلغاريا في الأردن ليس مجرد مهمة دبلوماسية أو اقتصادية، بل هو جسرٌ من القلب نلتزم ببنائه كل يوم.








