...

ارتفاع رخص الأبنية 3.2%.. لكن هل يعكس هذا نمواً حقيقياً أم مجرد أرقام تُخفي تراجعاً في قطاعات أساسية؟

ارتفاع رخص الأبنية 3.2%.. لكن هل يعكس هذا نمواً حقيقياً أم مجرد أرقام تُخفي تراجعاً في قطاعات أساسية؟

عمّان – المنصة

ارتفاع رخص الأبنية 3.2%.. لكن هل يعكس هذا نمواً حقيقياً أم مجرد أرقام تُخفي تراجعاً في قطاعات أساسية؟

ارتفع عدد رخص الأبنية الصادرة في المملكة خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 3.2% على أساس سنوي، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، في رقم يُقدَّم عادة كمؤشر إيجابي على نشاط قطاع الإنشاءات.

لكن قراءة متأنية للتفاصيل الكامنة خلف هذا الرقم الإجمالي تكشف صورة أكثر تعقيداً، بل تحمل مؤشرات مقلقة لا تظهر في العنوان الرئيسي وحده.

73% من الرخص في إقليم الوسط.. فماذا عن باقي المملكة؟

استحوذ إقليم الوسط وحده على 73% من إجمالي مساحة الأبنية المرخصة، بارتفاع إضافي قدره 1.1 نقطة مئوية عن العام الماضي، بينما لم تتجاوز حصة إقليم الجنوب 6%، بل تراجعت هذه الحصة بمقدار 2.1 نقطة مئوية مقارنة بالعام الماضي.

هذا التركز الحاد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يعكس “النمو العمراني” المعلن تنمية متوازنة تشمل مختلف مناطق المملكة، أم أنه في جوهره تكريس إضافي للفجوة التنموية بين العاصمة ومحيطها من جهة، وباقي المحافظات والأقاليم من جهة أخرى، خصوصاً الجنوب الذي يتراجع نصيبه فعلياً بدلاً من أن ينمو؟

تراجع 24% في المساحات غير السكنية.. مؤشر مقلق على الاستثمار التجاري والصناعي

بينما تصدّرت الزيادة في المساحات السكنية العناوين (+10%)، مرّ شبه مرور الكرام تراجع مساحة الأبنية المرخصة للأغراض غير السكنية (تجارية، صناعية، خدمية) بنسبة حادة بلغت 24%، من 1.11 مليون متر مربع إلى 846 ألف متر مربع فقط.

وهذا التراجع الكبير في نشاط البناء غير السكني يستحق تفسيراً واضحاً: هل يعكس هذا التراجع عزوفاً حقيقياً للمستثمرين عن ضخ رساميل جديدة في مشاريع تجارية وصناعية وسط الظروف الاقتصادية الإقليمية الصعبة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن الحديث عن “ارتفاع” في النشاط العمراني ككل بينما الشق الأكثر ارتباطاً بالاستثمار الإنتاجي وخلق فرص العمل يتراجع بمعدل الربع تقريباً؟

7.6% تراجع في الأبنية الجديدة.. فمن أين جاء الارتفاع الإجمالي إذن؟

الأكثر إثارة للتساؤل هو أن مساحة الأبنية الجديدة والإضافات على الأبنية القائمة – وهي المؤشر الأدق على “بناء فعلي جديد” – تراجعت هي الأخرى بنسبة 7.6%، من 3.03 مليون متر مربع إلى 2.80 مليون متر مربع. فإذا كانت الأبنية الجديدة تتراجع، والمساحات غير السكنية تنخفض بشكل حاد، فما الذي يفسر الارتفاع الإجمالي المعلن في عدد الرخص ومساحاتها؟ يبدو أن الزيادة تتركز بشكل شبه كامل في قطاع الأبنية السكنية القائمة (التوسعات والإضافات)، لا في مشاريع بناء جديدة شاملة – وهو تمييز جوهري يغيب عن العنوان الرئيسي للتقرير، ويستحق توضيحاً أوضح من الجهات الرسمية حول ماهية هذا “النمو” فعلياً.

فجوة صارخة بين العاصمة والزرقاء في نصيب الفرد

كشفت البيانات أن حصة الفرد من المساحات السكنية الجديدة المرخصة بلغت 0.490 متر مربع في العاصمة، مقابل 0.083 متر مربع فقط في الزرقاء – أي أن نصيب الفرد في العاصمة يفوق نظيره في الزرقاء بأكثر من 5.9 أضعاف.

هذه الفجوة الحادة بين محافظتين متجاورتين تطرح تساؤلاً حول عدالة توزيع الفرص العمرانية والاستثمارية بين المحافظات، وما إذا كانت السياسات الحكومية تولي الاهتمام الكافي لتحفيز النشاط العمراني في محافظات مثل الزرقاء، التي تُعد من أكثر المحافظات كثافة سكانية، مقارنة بالتركيز الواضح على العاصمة.

رقم “3.2%” وحده لا يكفي لتقييم حقيقة السوق العقاري

في المحصلة، يكشف التدقيق في تفاصيل التقرير أن الرقم الإجمالي المتفائل (+3.2%) يخفي خلفه: تراجعاً حاداً في الاستثمار غير السكني (-24%)، وتراجعاً في الأبنية الجديدة الفعلية (-7.6%)، وتفاوتاً إقليمياً متزايداً لصالح الوسط على حساب الجنوب.

وهذا يطرح سؤالاً أخيراً على صناع القرار والمخططين الذين تستهدف هذه البيانات مساعدتهم أصلاً، كما ذكر التقرير نفسه: هل الاعتماد على المؤشر الإجمالي وحده كافٍ لصياغة سياسات عمرانية واقتصادية سليمة، أم أن التركيز على الأرقام التفصيلية – وتحديداً تراجع الاستثمار غير السكني والتفاوت الإقليمي – هو ما يستحق الأولوية الفعلية في القراءة والتعامل؟

للموضوعية:

تجدر الإشارة إلى أن نمو المساحات السكنية بنسبة 10% مؤشر إيجابي مهم بحد ذاته، خصوصاً في ظل أزمة الإسكان وارتفاع الطلب على الوحدات السكنية في الأردن، وقد يعكس استجابة السوق لهذا الطلب المتنامي.

كما أن تراجع المساحات غير السكنية قد يعود جزئياً إلى عوامل موسمية أو دورية طبيعية في سوق الإنشاءات، وليس بالضرورة مؤشراً على أزمة استثمارية هيكلية، إذ تشهد هذه المساحات عادة تقلبات سنوية مرتبطة بعدد محدود من المشاريع الكبرى. ويبقى الحكم النهائي على اتجاهات القطاع العمراني رهناً بمتابعة هذه المؤشرات على مدى فصول وسنوات إضافية، لا بقراءة نصف عام واحد بمعزل عن سياقه الأوسع.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.