...

برما: درة الجغرافيا وعنفوان التاريخ في مسيرة الدولة الأردنية

بقلم: أ. د. حسن عبد الله البرماوي

بقلم: أ. د. حسن عبد الله البرماوي

تُعد بلدة برما وقضاؤها التابع لمحافظة جرش واحدة من أجمل بقاع المملكة الأردنية الهاشمية بلا منازع إذ تجتمع فيها سحر الطبيعة الفردوسية وعظمة الجغرافيا الممتدة على مساحة تتجاوز ستة وتسعين كيلومتراً مربعاً بين أحضان المرتفعات الجبلية العاهلة المطلة على حوض نهر الزرقاء وسد الملك طلال لترسم لوحة طبيعية بكر تتشابك فيها غابات السنديان والملول مع مئات الآلاف من أشجار الزيتون الرومي المعمر على ارتفاع يتجاوز ثمانمائة متر عن سطح البحر لتشكل المنطقة مركز ثقل جغرافي واستراتيجي رابط بين أقليمي الوسط والشمال ومقصداً للطبيعة والأصالة.
ولقد فاضت هذه الأرض المباركة بالجمال والإباء فأنشد الشعر في حبها قائلأ
سل الزيتون في برما الخضراء … ينبئك العلا عن العلا
جبال صاغها التاريخ مجداً … وأهل سادة قبل اللقاء
ترى السنديان فيها شامخاً … كنخوة أهلها عند العطاء
فلا هزت رياح الكيد طوداً … ولا نالت صروف من سناء
لقد قرأ شاعر الأردن مصطفى وهبي التل عرار هذه البيئة الاستثنائية ببعدها الثائر والجامح حين قال بيته الشهير-
بادغالك يازيتون برما استاسد الذئب.
وهو بيت يستحضر طبيعة الغابات الكثيفة والأحراش الممتدة التي شكلت عبر التاريخ ملاذاً آتناً للحرية والأنفة ورسخت صورة هذه البلدة في الذاكرة الوطنية كرمز للصمود والمنعة والشموخ.
وتحتل عشائر برما كافة مكانة رفيعة وسامية بين سائر القبائل والعشائر الأردنية لما عُرف عن رجالها من الشرف والنخوة والشهامة العالية والالتزام الصارم بسلوك العرب وتقاليد الكرم وإقراء الضيف وإغاثة الملهوف إذ كانت دواوينهم ومجالسهم على مر العقود محط احترام الجار والبعيد ومقصداً لإصلاح ذات البين ورأب الصدع بحكمة وحياد شريف جعل سمعتهم العطرة تتصدر المجالس العشائرية في كافة أنحاء الوطن وأسهمت في ترسيخ الأمن والسلم المجتمعي.
تتجلى القيمة التاريخية والسياسية لبرما في الدور التأسيسي والمحوري الذي أداه أبناؤها في دعم ركائز الدولة الأردنية الحديثة منذ نشأة الإمارة وحتى يومنا هذا حيث انخرط رجالها في نواة تأسيس الجيش العربي المصطفى والأجهزة الأمنية وسطروا بدمائهم الزكية صفحات مشرفة من البطولة والتضحية في معارك الدفاع عن ثرى الأردن وفلسطين وفي معركة الكرامة الخالدة لتقترن سميعتهم بالوفاء المطلق للعرش الهاشمي والتراب الوطني.
ولم يقتصر حضور برما على الجانب العشائري والعسكري بل امتد ليشهد تفوقاً واستثنائية في مضمار العلم والمعرفة والتطوير القيادي إذ رفدت المنطقة مؤسسات الوطن الأردنية والمحافل الدولية بنخب أكاديمية وعلماء وسفراء وقناصل وقادة فكر وإعلاميين ورجال أعمال أثبتوا حضورهم بجدارة واقتدار واضعين بصمات جليلة في الإدارة العامة والنهضة العلمية والاقتصادية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والزراعي يمثل زيتون برما وزيتها هاتفاً إستراتيجياً للأمن الغذائي المحلي ومصدر فخر واعتزاز لأهلها إذ تحتضن المنطقة مئات الآلاف من أشجار الزيتون التي تغطي آلاف الدونمات الزراعية وعلى رأسها الزيتون الرومي المعمر الذي يعود تاريخ بعض أشجاره إلى العصر البيزنطي والعهود الإسلامية المبكرة ويتميز زيتها بجودته العالية ونسب حموضته المنخفضة وطعمه الفريد الناجم عن البيئة الجبلية النقية والاعتماد على الزراعة البعليّة المباركة وتؤكد المؤشرات الإحصائية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة أن قضاء برما الذي يقطنه اليوم نحو اثنين وعشرين ألف نسمة يتوزعون على عدة قرى وتجمعات يضم مساحات حرجية واسعة تشكل جزءاً رئيسياً من الغطاء الحرجي لمحافظة جرش مما يمنحه ميزة استثمارية واعدة في مجالات السياحة البيئية والمسارات الجبلية والزراعة العضوية.
إن ما قدمته برما وأهلها على مر التاريخ الأردني يضعها اليوم في مقدمة المناطق التي تستحق من الحكومة توجيهاً تنموياً جاداً ومستداماً يعيد إليها حقها التنموي وينشط حركتها الاقتصادية والزراعية والسياحية إذ تمتلك البلدة كافة المقومات الاستراتيجية والبيئية لتكون مركز جذب استثماري فريداً على مستوى المملكة لا سيما عبر طرح مشروع تلفريك حيوي يربط بين ضفاف سد الملك طلال وأعالي جبال برما الشاهقة وهو مشروع استراتيجي من شأنه أن يحدث قفزة نوعية في مفهوم السياحة البيئية ويحرك العجلة الاقتصادية لأبناء القضاء ويفتح آفاقاً واسعة للتشغيل والحد من البطالة.
إن استثمار الطبيعة البكر لبرما يقتضي تفعيل خطوط المسارات البيئية وسياحة المغامرة وهواة المشي بين أحراش السنديان وجبال الزيتون الرومي إضافة إلى توفير التسهيلات اللازمة لإقامة المنشآت الفندقية والمنتجعات البيئية والمراكز الاستشفائية التي تناسب مناخها الجبلي النقي فضلاً عن حاجة المنطقة الماسة لإنشاء مستشفى حكومي ومراكز صحية متكاملة تخدم أبناء القضاء والتجمعات المجاورة وتوفر لهم الرعاية الصحية الكريمة إن برما التي قدمت للوطن أروع صور الوفاء والتضحية بكل ما تملك تقف اليوم في انتظار التفاتة حكومية منصفة تعزز مكانتها وتستثمر ميزاتها النسبية لتحولها من قضاء حريص على العطاء إلى نموذج وطني رائد في التنمية السياحية والزراعية المستدامة.
إن قراءة تاريخ برما وجغرافيتها تؤكد أن الثروة الحقيقية لهذه الأرض تكمن في تلاحم إنسانها المتفوق والمخلص مع ترابه وفي النخوة والأصالة التي حملها أبناؤها جيلاً بعد جيل ليظل زيتونها الشامخ وأحراشها العتيدة شاهدين على تحول هذه البقعة الساحرة إلى شريك رئيسي وصانع فاعل في مسيرة التنمية والنهضة الوطنية الخالدة.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.