المشهد العام
تثبيت أسعار المحروقات بكلفة 212 مليون دينار.. حماية حقيقية للمواطن أم تأجيل للفاتورة إلى الموازنة العامة؟
واصلت الحكومة تثبيت أسعار المشتقات النفطية الرئيسية لشهر آب عند مستويات تموز، في ما وصفته بجهودها للحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة العالمية على الاقتصاد المحلي.
لكن خلف هذا القرار كلفة مالية متصاعدة بلغت 212 مليون دينار تتحملها الخزينة العامة، وهو رقم يطرح سؤالاً لا بد منه: إلى متى يمكن للدولة الاستمرار في “امتصاص” ارتفاعات الطاقة العالمية دون أن ينفجر هذا العبء المتراكم في وجه المواطن نفسه؟

ثبّتت لجنة تسعير المشتقات النفطية هذه الأسعار رغم أن مراجعتها لأسعار تموز مقارنة بحزيران أظهرت “ارتفاعاً ملحوظاً” في متوسط الأسعار الشهرية، خصوصاً للديزل والكاز، نتيجة تجدد الأزمة السياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية-الإيرانية واضطرابات مضيقَي هرمز وباب المندب.
موقف الخبراء الاقتصاديين
كريشان: تبرير مع تحفظ صريح
أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية فؤاد كريشان أن قرار التثبيت يحدّ من الضغوط التضخمية، لأن نقل الارتفاعات العالمية بالكامل إلى السوق المحلية كان سيرفع أسعار السلع والخدمات ويُضعف القدرة الشرائية. غير أنه لم يُخفِ قلقه:
” هذه السياسة لا تخلو من أعباء مالية إضافية، والكلفة المتراكمة تشكل ضغطاً على المالية العامة وتحد من قدرة الحكومة على توجيه الموارد إلى أولويات تنموية أخرى. ”
— د. فؤاد كريشان، أستاذ الاقتصاد — الجامعة الأردنية
الفرجات: موقف مشرّف لكن الفاتورة حقيقية
ثمّن الدكتور محمد الفرجات قرار الحكومة معتبراً أنه يعكس وقوفها إلى جانب المواطن في ظل ظروف إقليمية بالغة الصعوبة، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن “حجم العبء المالي الذي تتحمله الخزينة ليس بسيطاً في ظل التحديات الاقتصادية وضغوط الموازنة”.
الأسئلة التي تظل بلا إجابة
يطرح هذا التقرير جملة من الأسئلة الجوهرية التي يغفل عنها الخطاب الرسمي:
من أي بند في الموازنة العامة ستُقتطع فروقات الكلف البالغة 212 مليون دينار؟
أي مشاريع أو خدمات تأخرت أو تقلّصت بسبب توجيه هذه الموارد لدعم المحروقات؟
إذا استمر التصعيد الإقليمي لأشهر إضافية، هل تملك الحكومة هامشاً مالياً كافياً لمواصلة التثبيت؟
لماذا لا تزال تُدار أزمات الطاقة بالحلول الآنية ذاتها رغم سنوات من الحديث عن “الرؤية طويلة الأجل”؟
هل دعم الغاز الصناعي بـ1.25 مليون دينار كافٍ فعلاً لدعم تنافسية الصناعة الوطنية؟
ما الذي يطالب به الخبراء؟
دعا الخبراء الاقتصاديون إلى جملة من الإصلاحات الهيكلية التي تتكرر في كل أزمة طاقة دون تنفيذ فعلي:
الإسراع في مشروعات الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على المشتقات النفطية.
تنويع مصادر الطاقة لخفض الانكشاف على تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
إنشاء احتياطيات مالية مخصصة لمواجهة صدمات أسعار الطاقة.
اعتماد سياسة تدرج شفافة تتيح للمواطن التكيف بدل الصدمات المفاجئة.
للموضوعية: ما يجب الإقرار به
سياسة تثبيت أسعار المشتقات النفطية ليست خاصة بالأردن، بل تنتهجها دول عديدة في المنطقة كآلية حماية اجتماعية من تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وقد أثبتت نجاعتها في كبح موجات تضخمية أكبر كانت ستصيب الأسر والقطاعات الإنتاجية.
كما أن الظروف الجيوسياسية الاستثنائية الناجمة عن الحرب الأميركية-الإيرانية تُعد عاملاً خارجاً عن إرادة الحكومة الأردنية. ويبقى الحكم على مدى استدامة هذه السياسة رهيناً بجدية تنفيذ الإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد.
الخلاصة
” المال الذي توفره الحكومة على المواطن عند مضخة الوقود اليوم، قد يعود ليُقتطع من موازنات الصحة والتعليم والبنية التحتية غداً، أو يتحول إلى دين عام إضافي يرثه المواطن نفسه لاحقاً بفوائده. ”
— خلاصة التقرير التحليلي
تثبيت الأسعار سياسة مبررة على المدى القصير في ظل أزمة إقليمية غير مسبوقة. لكن الأسئلة الحقيقية تظل معلقة: من أين ستُموَّل الفروقات؟ ولأي مدى يمكن الاستمرار؟ وهل ثمة إرادة حقيقية لبناء الاحتياطيات وإنجاز التنويع الذي يُقلل من الاعتماد على الدعم المتكرر في كل أزمة؟









