البترا – المنصة
قرارات حكومية لدعم سياحة البترا.. فهل تبدأ المعالجة بعد الوقفة الاحتجاجية أم يتكرر سيناريو الوعود السابقة؟
أقرّ مجلس الوزراء حزمة من القرارات لدعم القطاع السياحي في إقليم البترا، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها تهدف إلى التخفيف من آثار التراجع الذي يشهده القطاع منذ سنوات.
لكن هذه الحزمة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد أشهر من الوقفات الاحتجاجية المتكررة التي نظّمها مستثمرون وعاملون في القطاع، رفعوا خلالها شعارات وصفت واقع المدينة السياحية الأشهر عالمياً بأنه “منكوب”، وطالبت باستقالة مسؤولين، وسط إغلاق عشرات الفنادق وتسريح أكثر من ألف موظف. فهل تمثّل هذه القرارات بداية معالجة جذرية فعلاً، أم أنها استجابة مؤقتة لتهدئة الغضب الشعبي، على غرار وعود سابقة لم تصمد أمام الواقع
11 قراراً بـ5 ملايين دينار.. لكن هل تكفي لإنقاذ قطاع على حافة الإفلاس؟
تضمنت الحزمة 11 قراراً بكلفة تُقدَّر بنحو 5 ملايين دينار تتحمّلها الحكومة، شملت دعم أجور العاملين، وتأجيل أقساط القروض، وإعادة جدولة المستحقات الضريبية ورسوم الكهرباء والمياه، إلى جانب برامج سياحية جديدة تستهدف زيادة مدة إقامة الزوار وتوسيع الأسواق المستهدفة.
لكن هذا الرقم يبدو متواضعاً أمام حجم الأزمة التي وصفتها تقارير محلية سابقة بأن معظم أصحاب المنشآت السياحية في وادي موسى والبترا باتوا على “شفا إعلان إفلاسهم” بعد تراكم الديون والالتزامات.
كما أن جمعيات تمثل القطاع كانت قد صرّحت سابقاً بأن عروضاً مماثلة من جهات رسمية، كمؤسسة الضمان الاجتماعي، “لا تلبي الحد الأدنى” من مطالب المستثمرين واحتياجاتهم الفعلية – فهل تختلف هذه الحزمة عن سابقاتها من حيث الكفاية الفعلية، أم أنها تكرار لنمط “الدعم الجزئي” الذي لم يوقف نزيف القطاع حتى الآن؟
السواعير: “خطوة غير مسبوقة”.. لكن هل الأرقام السابقة عن نشاط السياحة كانت واقعية أم مجرد استعراض إعلامي؟
وقال رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، عدنان السواعير، إن البترا واجهت منذ عام 2019 تحديات متراكمة، بدأت بتداعيات جائحة كورونا وتواصلت مع الأزمات الإقليمية، مؤكداً أن الحزمة الحكومية “خطوة غير مسبوقة” حظيت بترحيب واسع، وستسهم في حماية أكثر من 1700 فرصة عمل.
لكن هذا الترحيب الرسمي يتناقض مع الصورة التي رسمتها تقارير ميدانية وصفت البترا بأنها تحولت إلى “مدينة أشباح”، ومع اتهامات وجّهها مستثمرون لوزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة بأنهما “بعيدتان عن حجم الأزمة الفعلي”، وأن برامج ترويجية سابقة مثل “أردنا جنة” لم تحقق النتائج المرجوة على أرض الواقع.
فهل كانت التصريحات الرسمية المتكررة عن “تعافي” أو “نشاط” القطاع خلال الفترة الماضية انعكاساً دقيقاً للواقع، أم أرقاماً تجميلية لم تصمد أمام مشهد فنادق مغلقة وعمال مسرّحين؟
85% من السياح الأجانب يمرّون بالبترا.. فلماذا تأخرت المعالجة حتى بلغ الأمر حد الاحتجاج؟
أوضح السواعير أن البترا هي الأكثر تأثراً بتراجع السياحة الأجنبية، نظراً لأن نحو 85% من السياح الأجانب الذين يزورون الأردن تكون المدينة ضمن برامجهم، ما يجعل أي تراجع في حركة الطيران والسفر ينعكس مباشرة على اقتصاد المنطقة.
هذا الرقم بحد ذاته يكشف حجم الأهمية الاستراتيجية للبترا بالنسبة للاقتصاد الوطني ككل – وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الحكومة تدرك هذه الأهمية المحورية منذ سنوات، فلماذا انتظرت حتى تدهورت الأوضاع إلى حد إغلاق عشرات الفنادق وتسريح أكثر من ألف عامل، وحتى خرج المستثمرون وأبناء المنطقة في وقفات احتجاجية متكررة، قبل أن تتحرك بحزمة دعم فعلية؟
إذا كانت الحكومة تدرك أن 85% من السياح الأجانب تمر رحلاتهم بالبترا، فلماذا انتظرت حتى بلغ الأمر حد إغلاق الفنادق وتسريح العمال والاحتجاجات المتكررة قبل التحرك بحزمة دعم فعلية؟
إعفاءات بقيمة 24 و30 ألف دينار.. أرقام متواضعة أمام حجم الأزمة المعلنة
وبالتوازي مع قرارات مجلس الوزراء، أوضح السواعير أن السلطة اتخذت إجراءات داعمة شملت إعفاء مستأجري السوق التجاري الجديد من 10% من بدل الخدمات بقيمة إجمالية بلغت 24 ألف دينار حتى الآن، وإعفاء المستأجرين من غرامات التأخير بقيمة 30 ألف دينار.
لكن هذه المبالغ، مقارنة بحجم الديون المتراكمة على مستأجري المجمع التجاري القديم وحدهم والتي كشفت تقارير سابقة أنها تجاوزت 300 ألف دينار، تثير تساؤلاً حول مدى تناسب حجم الدعم المعلن مع حجم الأزمة الفعلية على أرض الواقع.
خبير: حزمة “إنقاذية ومباشرة”.. فمتى يلمس المستثمرون هذا الأثر فعلياً؟
من جانبه، وصف خبير إدارة الأزمات السياحية الدكتور سامي الحسنات القرارات بأنها حزمة “إنقاذية ومباشرة” تعالج أزمة السيولة والكلف التشغيلية، مؤكداً أنها ستحمي أكثر من 1600 فرصة عمل وتعيد مئات العاملين إلى مظلة الضمان الاجتماعي.
لكن الحسنات نفسه أشار إلى أن تحقيق تعافٍ مستدام “يتطلب سرعة تنفيذ الإجراءات وتبسيط آليات الاستفادة منها” – وهو تحفظ ضمني يكشف أن نجاح الحزمة ليس مضموناً تلقائياً، بل مرهون بالتنفيذ الفعلي على الأرض، لا بالإعلان عنها فقط.
فمتى بالضبط سيشعر المستثمر الذي أغلق فندقه أو سرّح موظفيه بأثر ملموس لهذه القرارات في حساباته المصرفية وفواتيره المستحقة؟ ولم يحدد أي من المسؤولين جدولاً زمنياً واضحاً لتفعيل هذه الإعفاءات والتسهيلات فعلياً.
ترحيب من “أصحاب الفنادق”.. لكن هل هذا هو ما طالب به المحتجون فعلاً؟
ثمّنت جمعية أصحاب فنادق البترا القرارات الحكومية، مؤكدة أنها تعكس استجابة حقيقية للتحديات، وتعزز ثقة المستثمرين. لكن مطالب المحتجين، بحسب ما وثّقته تقارير سابقة عن الوقفات الاحتجاجية، لم تقتصر على الدعم المالي المؤقت، بل طالبت بـ”خطة إنقاذ حقيقية تتجاوز التصريحات والزيارات”، وشملت شعارات أكثر حدة تطالب بمحاسبة إدارية ومسؤولية سياسية عن سنوات التراجع المتراكم.
فهل تُعد حزمة الإعفاءات المالية، مهما بلغت أهميتها، استجابة كافية لهذا المستوى من الغضب والمطالب، أم أنها تعالج أعراض الأزمة دون الذهاب إلى جذورها الإدارية والهيكلية التي أشار إليها المحتجون؟
للموضوعية
تجدر الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من أزمة السياحة في البترا يعود إلى عوامل خارجة عن السيطرة المباشرة للحكومة الأردنية، وأبرزها التوترات الجيوسياسية الإقليمية المتصاعدة منذ مطلع عام 2026 وانعكاساتها على حركة الطيران الدولي والسفر إلى المنطقة ككل، وهو عامل أكده كل من مسؤولي السلطة والخبراء المستقلين على حد سواء.
كما أن حزمة الدعم الأخيرة تُعد امتداداً لسلسلة إجراءات تخفيفية سابقة (كإعفاء 50% من أجور 2026 لمستأجري السوق التجاري الجديد أُعلن عنه في حزيران الماضي)، ما قد يعكس استجابة حكومية تدريجية ومتصاعدة وليست مبادرة منعزلة.
ويبقى الحكم النهائي على جدوى هذه الحزمة مرهوناً بمراقبة سرعة تنفيذها الفعلي على الأرض، ومدى استجابتها لمطالب المستثمرين الأوسع التي تجاوزت الجانب المالي إلى مطالب إصلاح إداري وهيكلي في القطاع.








