عمان – المنصة
غضب تحت القبة: قراءة في أزمة “تعزية الكونغرس” ومواقف الشارع منها
أولاً: خلفية الحدث
تأتي هذه الأزمة في سياق إقليمي مشحون، بعد مقتل جنديين أمريكيين على الأراضي الأردنية في الفترة الأخيرة، وهو حدث أثار بدوره موجة غضب وجدل واسعة في الولايات المتحدة نفسها حول دور القوات الأمريكية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تصدّر النائب علي الخلايلة مشهداً برلمانياً مضطرباً حين طالب، خلال مداخلة له تحت القبة، بإصدار تعزية موحدة باسم مجلس النواب الأردني إلى الكونغرس الأمريكي بضحايا الجيش الأمريكي، مستنداً إلى أن مجلس الأعيان كان قد تقدّم بتعزية مماثلة، وسائلاً: “لماذا لا يتقدّم النواب بذات الأمر؟”.
ثانياً: وقائع الاحتجاج داخل القاعة
لم تمر مداخلة الخلايلة دون رد فعل؛ إذ اعترض عدد كبير من النواب فوراً على مضمونها، ووصفوا من يُراد تعزيتهم بأنهم جزء من جيش وصفوه بـ”قتلة الأطفال والشيوخ والنساء”، في إشارة إلى الموقف الشعبي والنيابي الرافض للسياسات الأمريكية ولدعم واشنطن لإسرائيل.
وبلغ التوتر داخل القاعة حداً اضطر معه بعض النواب إلى سحب الخلايلة خارج قبة المجلس بعد تبادل حاد للكلام مع المعترضين على موقفه.
في ضوء هذا الاحتقان، تدخّل رئيس مجلس النواب لضبط الجلسة، داعياً الأعضاء إلى التقيّد الصارم بجدول الأعمال وعدم الخروج عن إطاره، وقرر حذف كل ما ورد في محضر الجلسة خارج بنود جدول الأعمال المقرر – بما في ذلك مداخلة الخلايلة نفسها والردود عليها – في خطوة إجرائية تهدف لاحتواء الأزمة ومنع تحويلها إلى سابقة تُبنى عليها مطالبات مماثلة.
ثالثاً: قراءة في مواقف الطرفين
موقف الخلايلة: يقوم على منطق “التماثل المؤسسي” بين مجلسي الأعيان والنواب؛ فما دامت الغرفة الأولى في السلطة التشريعية قد قدّمت تعزية رسمية، فلا يرى مبرراً لعدم إقدام الغرفة الثانية على الخطوة ذاتها، في محاولة لتأطير الموقف كإجراء بروتوكولي/دبلوماسي عابر للخلاف السياسي، لا كموقف سياسي من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أو من السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.
موقف المعترضين: يرفض الفصل بين “التعزية الإنسانية” و”الموقف السياسي”، إذ يرى أن تقديم تعزية باسم مجلس يمثل الشعب الأردني لجيش يوصف بدوره في دعم الاحتلال، يتعارض مع الموقف الشعبي والنيابي التاريخي الرافض للسياسات الأمريكية تجاه فلسطين، وأن أي تعزية من هذا النوع تحمل بالضرورة دلالة سياسية لا يمكن تجريدها من سياقها.
رابعاً: البعد الإجرائي – ضبط جدول الأعمال
يحمل قرار رئيس المجلس بحذف كل ما هو خارج جدول الأعمال من المحضر دلالة مزدوجة: فمن جهة، هو إجراء تنظيمي معتاد يهدف لضبط انضباط الجلسات ومنع تحوّلها إلى منصات للمزايدة السياسية حول قضايا خارجية حساسة؛ ومن جهة أخرى، هو تعبير عملي عن رغبة إدارة المجلس في تفادي تسجيل موقف رسمي (بالتأييد أو بالرفض) في قضية بالغة الحساسية دبلوماسياً وشعبياً، بما يجنّب المؤسسة التشريعية الدخول في مواجهة مفتوحة مع الرأي العام أو مع واشنطن في آنٍ واحد.
خامساً: مزاج الشارع وردود الفعل العامة
يمكن قراءة التفاعل الشعبي مع هذه الواقعة ضمن اتجاهين متكاملين:
– غضب مباشر من مضمون الموقف: عبّر كثيرون عن رفضهم لفكرة تعزية مؤسسة تشريعية تمثل الشعب الأردني لجيش أجنبي في ظل موقف شعبي راسخ رافض للانحياز الأمريكي لإسرائيل، معتبرين أن مجرد طرح الفكرة تحت القبة يمثل مساساً بالإجماع الوطني حيال القضية الفلسطينية.
– غضب أعمّ من أداء المجلس ذاته: تجاوز النقاش تفاصيل الواقعة إلى إعادة إنتاج نقد أشمل لأداء البرلمان، تجلّى في مقالات رأي واكبت الحادثة واصفة نوعاً من النواب بالانشغال بالمعارك الجانبية والملفات الخارجية على حساب هموم الناخبين اليومية كالبطالة وغلاء الأسعار وتردي الخدمات، واعتبرت أن مثل هذه المشاهد – بصرف النظر عن تفاصيلها – تعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة النيابية.
سادساً: خلاصة تحليلية
تختصر هذه الواقعة إشكالية أعمق تتعلق بحدود الدور النيابي في قضايا السياسة الخارجية الحساسة: فبين من يرى في التعزية إجراءً بروتوكولياً عابراً للخلاف السياسي، ومن يعتبرها موقفاً سياسياً لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والانحياز الأمريكي لإسرائيل، يبرز المجلس النيابي كساحة اختبار متكررة لموقع “الموقف الوطني الثابت” مقابل “البراغماتية الدبلوماسية”.
ولجوء رئاسة المجلس إلى الحل الإجرائي – حذف الحادثة برمّتها من السجل الرسمي – يعكس رغبة في تحييد المؤسسة عن اتخاذ موقف معلن، لكنه في المقابل لا يعالج جذر المشكلة: تصاعد منسوب انعدام الثقة الشعبية بأداء وأولويات كثير من أعضاء المجلس، بصرف النظر عن الجهة التي يقفون فيها من الخلاف.








