...

الاحتشام تحت القبة: قراءة في مذكرة “اللباس اللائق” ومسارات الجدل الأردني

الاحتشام تحت القبة: قراءة في مذكرة "اللباس اللائق" ومسارات الجدل الأردني

عمان – المنصة

الاحتشام تحت القبة: قراءة في مذكرة “اللباس اللائق” ومسارات الجدل الأردني

أولاً: وقائع الحدث

تصدّر الشارع الأردني خلال الأيام الماضية جدلٌ واسع، بعدما تبنّى النائب فراس قبلان مذكرة نيابية وقّع عليها عدد من زملائه، تطالب الحكومة بإعداد “مدونة إرشادية للذوق العام والسلوك واللباس اللائق” في الأماكن العامة والمجمعات التجارية،

وتضمّنت المذكرة إشارة صريحة إلى إمكانية تقييد أو حظر ارتداء “الشورت” في هذه الأماكن، بذريعة الحفاظ على القيم الاجتماعية والذوق العام.

المذكرة لم تكن حدثاً معزولاً في تاريخ البرلمان الأردني؛ فقد سبق لمذكرات نيابية أخرى أن تناولت قضايا اجتماعية وأخلاقية مشابهة، لكن توقيت هذه المبادرة – في ظل ملفات اقتصادية وسياسية ملحّة تشغل الرأي العام – هو ما أعطاها زخماً غير معتاد،

وحوّلها خلال ساعات من خبر برلماني عابر إلى مادة سجال يومي على المنصات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ثانياً: حجج المؤيدين

برز في المشهد الإعلامي خطاب مؤيد للمذكرة، تبنّاه كتّاب رأي ونشطاء محافظون، ويقوم على عدة ركائز:

١. اللباس ليس حرية شخصية مطلقة: يذهب أصحاب هذا الطرح إلى أن اللباس محكوم أصلاً بمنظومة القيم الدينية والاجتماعية، مستدلين بأن الشرائع السماوية وضعت مواصفات للباس أتباعها،

وأن مؤسسات كثيرة – من الجيش إلى شركات الطيران والبنوك – تفرض زياً موحداً على منتسبيها، مما يخرج اللباس بنظرهم من دائرة “الحرية الفردية البحتة” إلى دائرة “الالتزام بالأعراف الملزمة”.

٢. مبدأ تقييد الحرية بحرية الآخرين: يستحضر المؤيدون القاعدة القائلة إن “حرية الفرد تنتهي عند بداية حرية الآخرين”، ويقارنون ضمناً بين تقييد اللباس وتجريم أفعال أخرى كالتدخين في الأماكن العامة أو الظهور العاري، معتبرين أن غياب القيد المطلق على أي سلوك اجتماعي هو الأصل في كل التشريعات.

٣. اللباس كهوية وطنية وثقافية: ربط بعض الكتّاب بين اللباس والهوية الجمعية، مستحضرين رمزية الشماغ الأردني والدشداشة الخليجية، وحتى الرمزية التاريخية للكوفية مقابل الطربوش في الثورات الفلسطينية، ليخلصوا إلى أن اللباس أداة تعبير جماعي لا مجرد اختيار فردي.

ثالثاً: حجج المعارضين

في المقابل، جاء الرد الأبرز من المبادرة الليبرالية الأردنية، التي وصفت المذكرة بمحاولة فرض “وصاية” على المجتمع، وبنت اعتراضها على:

١. السند الدستوري: استندت المبادرة إلى المادة السابعة من الدستور الأردني التي تنص على صيانة الحرية الشخصية، واعتبار أي اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة جريمة يعاقب عليها القانون، لتخلص إلى أن المذكرة تسير بعكس هذا النص.

٢. تشكيك في الأولويات: اتُّهم النواب الموقّعون بالبحث عن “شعبية سهلة” تعوّض ضعف الأداء التشريعي والرقابي، عبر الانشغال بقضايا اجتماعية خلافية بدل مشروعات القوانين المطروحة فعلياً أمام المجلس.

٣. غموض المعيار: وُصف مفهوم “الذوق العام” بأنه مصطلح فضفاض وغير مُعرَّف قانونياً، ومتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والفئة الاجتماعية، مما يجعل تجريم اللباس على أساسه بوابة لتوسّع تعسفي في المستقبل.

رابعاً: مزاج الشارع والتفاعل الشعبي

يمكن قراءة ردود الفعل الشعبية، كما ظهرت في التعليقات والمنشورات، ضمن ثلاثة اتجاهات متداخلة:

اتجاه ساخر: تعامل مع القضية بوصفها “تسلية” أو صرف نظر عن ملفات أهم كالبطالة والفقر وغلاء المعيشة، معتبراً أن مناقشة “الشورت” تحت القبة مؤشر على خفة في الأداء النيابي، لا سيما أن صورة المجلس النيابي كانت قد تعرضت لانتقادات سابقة مشابهة بسبب سلوكيات نواب أثناء الجلسات الرسمية.
اتجاه محافظ مؤيد: رأى في المذكرة استجابة متأخرة لمطلب اجتماعي حقيقي، معتبراً أن الصمت النقابي والسياسي حيال “الانفلات” في المظهر العام كان يحتاج إلى مبادرة تشريعية، وأن الاعتراض عليها من موقع “الحرية الشخصية” مؤشر ضمني على أن الغالبية فعلاً مع فكرة الاحتشام.

اتجاه حقوقي/ليبرالي اعتبر أن القضية أعمق من اللباس ذاته، وأنها تتعلق بمدى قابلية الدولة والمجتمع لتقنين الحياة الخاصة للأفراد، وحذّر من أن تحويل “الذوق العام” إلى نص قانوني قد يفتح باباً لتقييدات أوسع مستقبلاً.

خامساً: خلاصة تحليلية

تكشف هذه المذكرة، رغم صغر حجمها الظاهري كخبر، عن توتر بنيوي متكرر في المجتمعات العربية بين ثلاثة محاور: الدولة كحكم، والمجتمع كحامل قيم، والفرد كصاحب حرية شخصية.

والمثير أن الجدل لم يقتصر على مضمون المذكرة، بل امتد إلى التشكيك في دوافعها السياسية، أي في وظيفة النائب نفسها: هل يشرّع لضبط سلوك المجتمع، أم يراقب أداء الحكومة؟ وهذا ما يفسّر أن جزءاً كبيراً من النقاش لم يكن عن “الشورت” بقدر ما كان عن موقع البرلمان وأولوياته في لحظة يعاني فيها المواطن الأردني من ضغوط اقتصادية مباشرة.

من الناحية الإعلامية والتحليلية، يصلح هذا الملف كمثال نموذجي على كيفية تحوّل قضية اجتماعية/أخلاقية إلى ساحة اختبار للانقسام الأيديولوجي (محافظ/ليبرالي)، وفي الوقت ذاته إلى أداة قياس غير مباشرة لثقة الجمهور بالأداء النيابي العام، بصرف النظر عن موقفه الشخصي من قضية اللباس بحد ذاتها.

 

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.