المنصة – دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، بعد تنفيذ واشنطن واحدة من أكبر عملياتها العسكرية ضد أهداف إيرانية في منطقة مضيق هرمز، رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية، في تطور يهدد بانهيار التهدئة الهشة بين الجانبين ويعيد المخاوف بشأن أمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.
وبحسب مسؤول أميركي نقلت عنه وسائل إعلام أميركية، فإن العملية العسكرية الأخيرة جاءت أكبر بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف من الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة قبل نحو عشرة أيام، سواء من حيث حجم القوة المستخدمة أو عدد الأهداف التي جرى استهدافها، في رسالة واضحة بأن واشنطن رفعت مستوى ردها العسكري.
وشملت الضربات الأميركية منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، ومراكز القيادة والسيطرة، والرادارات الساحلية، ومنصات إطلاق صواريخ كروز المضادة للسفن، وأنظمة الطائرات المسيّرة، إضافة إلى منشآت داخل عدد من الموانئ، في محاولة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية المرتبطة بأمن مضيق هرمز.
وتشير طبيعة الأهداف إلى أن واشنطن لم تركز على تدمير مواقع عسكرية منفردة، بل سعت إلى تقليص قدرة إيران على مراقبة الملاحة البحرية أو تهديد السفن التجارية والعسكرية في الخليج، من خلال استهداف منظومة متكاملة تشمل الرصد والدفاع والهجوم.
وتزامنت العملية مع سماع انفجارات عنيفة في مناطق عدة جنوب إيران، بينها جزيرة قشم، وبندر عباس، ومدينة سيريك الساحلية، حيث أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع سلسلة انفجارات متتالية، فيما تحدثت تقارير عن تعرض أرصفة تجارية ومرافئ بحرية لأضرار نتيجة سقوط مقذوفات.
بداية التصعيد
وجاءت الضربات الأميركية عقب سلسلة هجمات استهدفت ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز خلال أقل من 24 ساعة، في حادثة أنهت فترة قصيرة من الهدوء وأعادت التوتر إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن عملياتها جاءت رداً على استهداف السفن، معتبرة أن الهجمات الإيرانية تمثل انتهاكاً واضحاً للتفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار، وأن الهدف من الضربات هو فرض “تكلفة باهظة” على طهران ومنع تكرار الاعتداءات على السفن المدنية.
وكانت ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية “الرقيات” من بين السفن التي تعرضت للهجوم، ما أدى إلى اندلاع حريق في غرفة المحركات وإجلاء عدد من أفراد طاقمها، بينما تحدثت تقارير عن تعرض ناقلة نفط ترفع العلم السعودي لأضرار قبالة السواحل العمانية، إلى جانب سفينة تجارية ثالثة تعرضت للاستهداف في المنطقة.
وفي المقابل، نفت إيران مسؤوليتها عن الهجمات البحرية، ورفضت الاتهامات الأميركية والقطرية، معتبرة أنها تفتقر إلى الأدلة، في حين اتهمت واشنطن باستغلال الأحداث لتبرير توسيع عملياتها العسكرية.
طهران تتوعد بالرد
ومع اتساع نطاق الضربات الأميركية، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران سترد “بحزم” على ما وصفته بالعدوان الأميركي، مؤكدة أن الهجمات تمثل انتهاكاً للتفاهمات التي أُبرمت مؤخراً بين البلدين، وأن إيران ستتخذ ما يلزم للدفاع عن أمنها ومصالحها.
ويخشى مراقبون من أن يقود الرد الإيراني المتوقع إلى جولة جديدة من الضربات المتبادلة، الأمر الذي قد يوسع دائرة المواجهة ويهدد استقرار الخليج والمنطقة بأكملها.
ضغوط اقتصادية بالتوازي مع التصعيد
ولم يقتصر التصعيد الأميركي على الجانب العسكري، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية قبل ساعات من بدء الضربات إلغاء الإعفاءات التي كانت تسمح لإيران بتصدير جزء من نفطها، في خطوة أعادت تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران.
وكانت تلك الإعفاءات قد مُنحت في إطار التفاهمات التي رافقت جهود خفض التصعيد، إلا أن واشنطن قررت إلغاءها بعد الهجمات على السفن، معتبرة أن إيران أخلّت بالتزاماتها، فيما وصفت طهران القرار بأنه خرق واضح للتفاهمات الثنائية.
هرمز.. أخطر ممر بحري في العالم
ومع تصاعد التوتر، رفع مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي تقوده البحرية الأميركية، مستوى المخاطر في مضيق هرمز من “كبير” إلى “شديد”، محذراً من احتمال تعرض السفن التجارية لهجمات جديدة في ظل استمرار المواجهة العسكرية.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية عالمياً، إذ يمر عبره نحو 20 بالمئة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وأظهرت بيانات شركات تتبع حركة الملاحة انخفاضاً واضحاً في عدد السفن العابرة للمضيق، إذ لم يتجاوز عدد السفن التي عبرته خلال يوم واحد 16 سفينة، مقارنة بمتوسط يومي يقارب 125 سفينة قبل اندلاع الأزمة، وهو ما يعكس حجم القلق الذي يسيطر على شركات النقل البحري.
أسواق الطاقة في دائرة التأثر
وانعكس التصعيد العسكري مباشرة على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات عبر الخليج، وصعد خام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 72 دولاراً للبرميل، بينما سجلت أسعار خام برنت أيضاً مكاسب ملحوظة.
كما شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، في ظل تنامي المخاوف من اتساع الصراع، بينما تعرضت أسواق الأسهم العالمية لضغوط نتيجة زيادة حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الأوضاع في المنطقة.
ويرى محللون أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم العالمية، ويزيد تكاليف النقل والشحن والتأمين، الأمر الذي قد يؤثر في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي خلال الأشهر المقبلة.
هدنة على حافة الانهيار
وتأتي هذه التطورات بعد فترة وجيزة من تفاهمات هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأجواء لمفاوضات أوسع بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي والأمن الإقليمي.
إلا أن الهجمات على السفن التجارية، وإعادة فرض القيود على صادرات النفط الإيرانية، والضربات العسكرية الأميركية الواسعة، والتهديدات الإيرانية بالرد، وضعت تلك التفاهمات أمام أصعب اختبار منذ الإعلان عنها.
ويرى مراقبون أن مستقبل الأزمة سيتوقف إلى حد كبير على طبيعة الرد الإيراني المقبل، وما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالضربات الحالية أم ستتجه إلى تصعيد إضافي، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز بؤرة التوتر الأكثر حساسية في العالم، نظراً لدوره المحوري في أمن الطاقة والتجارة الدولية.







