*أرقام صادمة.. «مسالخ الأردن» تتراجع أمام حجم الأضاحي
-70 % من الذبح خارج الرقابة الصحية.. وأمراض قاتلة تترصّد الأسر الأردنية كل عيد
عمّان – المنصة
مع أذان فجر أول أيام عيد الأضحى، تتحوّل شوارع المدن والأحياء الأردنية من البحر الميت شمالاً حتى العقبة جنوباً إلى ما يشبه المسالخ المفتوحة. دماء تسيل على الأرصفة، أحشاء تُلقى على القمامة، وروائح تُخيّم لأيام. ليس لأن المواطن يعاند أو يتجاهل الأنظمة، بل لأن الدولة لم توفّر له بديلاً حقيقياً بعد.
كشف تقرير صادر عن وحدة التحليل والأبحاث أن الأردن يذبح ما يتراوح بين 550 ألفاً و700 ألف رأس من الأضاحي سنوياً خلال أيام العيد الأربعة، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية الفعلية للمسالخ الرسمية في أفضل أحوالها 25-30% من هذا الرقم. أي أن ما يزيد على 400 ألف ذبيحة تُجرى بعيداً عن أعين الأطباء البيطريين وخارج البيئات الصحية المنظمة.
وتُظهر خريطة البنية التحتية للذبح تمركزاً لافتاً للخدمات في العاصمة عمّان التي تستأثر بنحو 60% من المسالخ الرسمية رغم أنها تضم نحو 40% من السكان. في المقابل، تمتلك محافظات كالطفيلة ومعان وعجلون مسلخاً بلدياً وحيداً لخدمة مئات الآلاف من المواطنين الموزعين على مساحات شاسعة.
وثّقت شبكة أريج للصحافة الاستقصائية في تحقيق نشرته عام 2024 حالات وفاة وإصابات بأمراض خطيرة ناجمة عن الذبح خارج المسالخ، أبرزها الحمى المالطية والأكياس الكلابية وديدان الكبد. وأكد الطبيب البيطري سامح الفقيه لمعدة التحقيق أن الذبح العشوائي بات ‘ظاهرة’ في المناطق البعيدة، نظراً لغياب الرقابة البيطرية في المزارع غير المرخصة.
وتتشعب أسباب هذه الظاهرة لتشمل أبعاداً ثقافية واقتصادية وجغرافية متشابكة: فمن جهة، يرى كثير من الأسر الأردنية أن الذبح أمام العائلة وأمام المنزل جزء لا يتجزأ من روح العيد ومعناه. ومن جهة أخرى، كثيراً ما تبعد المسالخ المعتمدة مسافات تُشكّل عبئاً مادياً ولوجستياً على الأسر محدودة الدخل.
◼ ماذا تقول الأرقام؟
ومما يستوقف الباحثين في هذا الملف أن الأردن لا يفتقر إلى التشريعات، إذ تتضافر وزارات الزراعة والصحة والبيئة والبلديات في تنظيم هذا القطاع. لكن المشكلة في التطبيق، حيث كشفت رقابة ميدانية أُجريت في أكثر من عشر جولات داخل عمّان أن مزارع كثيرة لا يتواجد فيها طبيب بيطري واحد لفحص الذبائح، وأن المسالخ ‘تستيقظ أبكر من زيارات المراقبة’ للتحايل على جداول التفتيش.
◼ ما الحل؟
يُجمع الخبراء على أن المعالجة لا تكون بالمزيد من الغرامات والمخالفات وحدها، بل باستثمار حقيقي في توسيع الطاقة الاستيعابية للمسالخ الرسمية وتقريبها جغرافياً من المواطن، وإطلاق برنامج وطني للمسالخ المتنقلة الذي نجح في المغرب وبعض دول الخليج، إلى جانب توفير الذبح مجاناً أو بتكلفة رمزية كما تفعل دول عربية عديدة. فحين تُتاح الخيارات الآمنة وتُيسَّر، يختارها المواطن طوعاً لا قسراً.
“في المحصلة، ظاهرة الذبح في الشوارع ليست تمرداً ثقافياً، بل صرخة احتجاج صامتة “.









