«المياه، المياه، المياه!»… حين يرسم الملك حدود السيادة بالماء

«المياه، المياه، المياه!»… حين يرسم الملك حدود السيادة بالماء

«المياه، المياه، المياه!»… حين يرسم الملك حدود السيادة بالماء

بقلم | مصطفى الريالات

«المياه، المياه، المياه!». ثلاث كلمات متتالية، مجرّدة من أي زخرفة لفظية، نطق بها الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة. وفي الخطابة السياسية لا يأتي التكرار عبثاً؛ إنه نبرة إنذار، وإعلان أولوية، وطريقة الدولة في أن تقول لمن يسمع: انتبهوا، هنا خط أحمر.

ثم جاءت الجملة التي تشرح التكرار: «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه».

في السياسة، كما في اللغة، ثمة كلمات تُقال وكلمات تُختار، وهذه كلمات اختيرت بعناية فائقة. فالرهينة تفترض خاطفاً، والمساومة تفترض طرفاً يعرض صفقة، والمهادنة تفترض ضغطاً يُراد للأردن أن ينحني أمامه.

لم يسمِّ الملك أحداً في فقرة المياه من خطاب العرش. لكنه في الخطاب ذاته وصف الأطماع التوسعية الإسرائيلية بأنها «أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وأمنها». ومن يضع الجملتين متجاورتين لا يحتاج إلى كثير من الاجتهاد ليفهم أين يقع الخاطف المحتمل.

لم يكن خطاب العرش في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر بداية الحكاية، بل ذروتها. ففي الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر، وقف الملك على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وقال بوضوح لا يحتمل التأويل: أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو لأمنه المائي هو تهديد لأمنه الوطني، والأردن «لن يغضّ الطرف»، وسيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

في نيويورك كان الخطاب موجهاً إلى العالم، وفي عمّان كان موجهاً إلى الداخل وإلى الحكومة. وبين المنبرين اكتملت معادلة سياسية جديدة: الماء لم يعد ملفاً خدمياً تديره وزارة، بل قضية سيادة يحميها رأس الدولة. هذا انتقال نوعي في العقيدة الأردنية. فالمياه، التي ظلت لعقود شأناً فنياً يُدار في اللجان المشتركة وغرف المهندسين، صعدت إلى مرتبة الحدود والأمن القومي.

لنتذكر السياق. فمنذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025 توقفت إسرائيل عن تزويد الأردن بخمسين مليون متر مكعب إضافية سنوياً، كانت تبيعها له بسعر مخفّض بموجب اتفاق 2021، فوق الحصة المقررة في معاهدة وادي عربة.

وفي تموز/يوليو الماضي، نقلت الصحافة الإسرائيلية أن تجديد الاتفاق رُبط بتخفيف الخطاب الأردني تجاه إسرائيل واستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة.

ولم يترك مسؤول إسرائيلي كبير مجالاً للتأويل حين قال لموقع «واي نت»: «الأردن يحتاج المياه، لكن حين تساعد جيرانك تتوقع علاقات أدفأ… كل شيء سيكون على الطاولة: التطبيع والمياه».

هنا بالضبط تكمن خطورة اللحظة. فالمعادلة المطروحة، كما ينقلها إعلامهم، هي: ماء مقابل صمت، وماء مقابل تطبيع. أي أن يدفع الأردن من موقفه تجاه غزة والضفة والقدس ثمناً لكوب ماء يشربه مواطنه.

وهي معادلة لا يقبلها بلد يحمل الوصاية الهاشمية على المقدسات، ولا شعب يعيش القضية الفلسطينية بوصفها شأناً داخلياً لا خارجياً.

تقول تل أبيب إنها ملتزمة بحصة المعاهدة، وإنه «لا التزام قانونياً» عليها بالكميات الإضافية، وإن عام 2025 كان الأكثر جفافاً لديها منذ قرن. وقد يبدو هذا متماسكاً في ظاهره، فالاتفاق الإضافي لم يكن جزءاً من نص المعاهدة.

لكن الحجة تسقط عند أول اختبار. فإسرائيل تنتج، بحسب التقارير، نحو 804 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً، والكمية المتنازع عليها لا تتجاوز 6% منها.

ثم إن الحديث لم يكن يوماً عن الجفاف، بل عن «علاقات أدفأ» و«التطبيع»، والمسؤولون الإسرائيليون أنفسهم هم من قالوا ذلك. وقبل ذلك كله، قال وزير الطاقة إيلي كوهين عام 2024: «سنواصل استخدام مواردنا الطبيعية لتعزيز مكانة إسرائيل في المنطقة». الماء، في هذا المنطق، ليس سلعة ولا حقاً، بل أداة نفوذ.

والمفارقة الأشد قسوة أن هذا كله يجري بحق دولة أدّت دوراً حاسماً في حماية أمن الإقليم، واعترضت المسيّرات والصواريخ العابرة لأجوائها.

في هذا السياق، يكتسب توجيه الملك للحكومة «بالاستمرار بمشاريع الأمن المائي، والعمل على وضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن، بما يضمن استدامتها وحقوق الأجيال القادمة» معناه الحقيقي.

وكلمة «استباقية» هنا مفتاح: فالدولة لا تريد أن تنتظر الأزمة لترد عليها، بل أن تسبقها. فمشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها من العقبة إلى عمّان ليس مجرد مشروع بنية تحتية بكلفة 5.8 مليار دولار. إنه إعلان استقلال مائي: 300 مليون متر مكعب سنوياً، أي ستة أضعاف الكمية التي تُساوَم عليها، ونحو 40% من احتياجات المملكة من مياه الشرب، من مصدر سيادي لا يملك أحد مفتاحه سوى الأردنيين.

ولم يكن غريباً أن يلتقط المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أحد أعرق مراكز الأبحاث الدفاعية في العالم، هذه المفارقة حين كتب أن «ما يبدأ ورقة ضغط اليوم قد يصبح محفّزاً للاكتفاء الذاتي الأردني». بمعنى آخر، كل يوم تتأخر فيه إسرائيل عن تجديد الاتفاق يقرّب اليوم الذي لن يحتاج فيه الأردن إلى تجديده أصلاً.

غير أن الخطاب الملكي ليس شيكاً على بياض للتفاؤل. فمياه الناقل لن تتدفق قبل أواخر عام 2030، وأمامنا أربع سنوات هي أخطر مراحل الهشاشة المائية، حين تكون الورقة الإسرائيلية في أعلى قيمتها. ولهذا فإن ترجمة كلمات الملك إلى سياسات تقتضي ثلاثة مسارات متوازية:

أولاً، إنجاز الإغلاق المالي للناقل دون تأخير، وجعل جدوله الزمني التزاماً وطنياً تتابعه الحكومة ويراقبه البرلمان، لا موعداً قابلاً للترحيل.

ثانياً، خطة صمود مرحلية جادة: خفض الفاقد في الشبكات، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة، واستثمار الانفتاح الجديد مع دمشق في حوض اليرموك، وصون المياه الجوفية من الاستنزاف.

ثالثاً، تدويل المبدأ قبل الأزمة: أن يُقال للعالم، كما قال الملك في نيويورك، إن الماء حق إنساني لا يجوز ربطه بالمواقف السياسية، وإن معاهدات السلام التي تُستخدم بنودها للضغط تفقد روحها قبل نصوصها.

في ستة أسابيع، ومن منبرين مختلفين، قال الملك الشيء نفسه بلغتين: لغة الدبلوماسية الدولية ولغة العقد الوطني. والخلاصة واحدة: الأردن الذي لم يساوم على القدس لن يساوم على الماء.

ربما ظن بعضهم أن عطش الأردن نقطة ضعفه. لكن خطاب العرش قال شيئاً آخر: حين يُستهدف الأردنيون في أبسط حقوقهم، يتحول الضعف إلى إرادة، والإرادة إلى مشروع، والمشروع إلى سيادة. وهذا، في النهاية، هو الدرس الذي لم تتعلمه بعدُ حكومة تراهن على العطش.

 

Scroll to Top