تداول عقاري “صاعد” 16%… فلماذا لا يزال امتلاك شقة حلماً بعيد المنال؟

تداول عقاري "صاعد" 16%... فلماذا لا يزال امتلاك شقة حلماً بعيد المنال؟

عمان – المنصة

تداول عقاري “صاعد” 16%… فلماذا لا يزال امتلاك شقة حلماً بعيد المنال؟

سجّل تقرير دائرة الأراضي والمساحة ارتفاعاً في حجم التداول العقاري خلال أيلول بنسبة 16% على أساس سنوي، وفي الإيرادات بنسبة 14%، مع قفزة في بيوعات الشقق بلغت 17%. أرقام شهر واحد تبدو مبشّرة فعلاً.

لكن التقرير نفسه يحمل في تفاصيله صورة مختلفة تماماً حين يُنظر إلى الصورة الأوسع على مدى الأشهر التسعة الأولى من العام: حجم التداول التراكمي منخفض 1%، وحركة البيع ذاتها متراجعة 7%، وبيوعات الشقق تراجعت 3% على مستوى العام حتى الآن.

فأي الرقمين يعكس واقع السوق الفعلي: شهر أيلول الاستثنائي، أم تسعة أشهر من التراجع التي سبقته؟

تداول عقاري "صاعد" 16%... فلماذا لا يزال امتلاك شقة حلماً بعيد المنال؟

شهر واحد صاعد… وتسعة أشهر هابطة

حين يُحتفى برقم شهر واحد مقارنة بالشهر نفسه من عام سابق، بينما يُشار إلى الأداء التراكمي للعام بأكمله بصيغة أقل بروزاً في متن الخبر، يصبح القارئ أمام صورتين متناقضتين لسوق واحد.

فبيوعات الشقق التي “قفزت” 17% في أيلول وحده، هي نفسها التي تراجعت 3% على مستوى الأشهر التسعة؛ وحركة بيع العقار عموماً التي ارتفعت 6% في الشهر، متراجعة 7% على مستوى العام. أي أن التحسن الشهري لا يعوّض بعد تراجع الأشهر الثمانية التي سبقته، فضلاً عن أن يُقلبه إلى نمو سنوي حقيقي.

تداول عقاري "صاعد" 16%... فلماذا لا يزال امتلاك شقة حلماً بعيد المنال؟

أسئلة عن أي الصورتين أصدق
لماذا يتصدر عنوان الخبر رقم الشهر الواحد المرتفع، بينما يُذكر الرقم التراكمي الأضعف في متن التقرير دون إبراز مماثل؟

هل يمثل أداء أيلول بداية تعافٍ حقيقي للسوق، أم مجرد تذبذب شهري طبيعي في سوق يتراجع عموماً منذ بداية العام؟

ما تفسير دائرة الأراضي والمساحة نفسها لتراجع حركة البيع 7% خلال تسعة أشهر كاملة، في مقابل احتفائها بارتفاع شهر واحد؟

ارتفاع القيمة لا يعني بالضرورة مزيداً من التملك

ارتفاع الإيرادات (رسوم التسجيل) بنسبة 14% في أيلول و6% على مستوى الأشهر التسعة، في وقت تتراجع فيه حركة البيع الفعلية (عدد الصفقات) بنسبة 7% خلال الفترة نفسها، يحمل دلالة مهمة: الإيرادات مرتبطة بقيمة الصفقات لا بعددها، ما يعني أن صفقات أقل عدداً لكن أعلى قيمة هي التي تقود الأرقام إلى الأعلى – أي ارتفاع الأسعار نفسه، لا بالضرورة اتساع قاعدة من يشترون.

وهذا يتسق مع ما يكرره خبراء عقاريون محليون من أن “امتلاك شقة بات يمثل عبئاً يفوق القدرة الشرائية لأغلب الشباب والأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط”، في ظل فوائد تمويل عقاري تقارب 9%، وتكاليف بناء مرتفعة، ودخول لم تواكب هذا الارتفاع.

السؤال الذي يعنيه عنوان هذا التقرير

إذا كانت قيمة الصفقات ترتفع بينما عددها يتراجع، أليس ذلك مؤشراً على أن دائرة المشترين تضيق لا تتسع، وأن من يشتري اليوم هو غالباً من يملك قدرة مالية أعلى أصلاً؟

كيف تتحدث الأرقام عن ‘تحسن’ في السوق بينما يصف خبراء القطاع نفسه تملك شقة بأنه ‘حلم بعيد المنال’ لغالبية الشباب؟

هل أُجري أي تقييم رسمي للأثر المباشر لفائدة التمويل العقاري (نحو 9%) على قرار المواطن العادي بالشراء من عدمه؟

من يشتري فعلياً؟ تملك غير الأردنيين يرتفع بينما يتراجع نشاط السوق المحلي

في مقابل تراجع حركة البيع العامة 7% خلال الأشهر التسعة، ارتفعت القيمة التقديرية لمعاملات تملك غير الأردنيين بنسبة 17% لتصل إلى 168.3 مليون دينار – رغم انخفاض عدد معاملاتهم بنسبة 1% فقط، أي أن قيمة ما يشتريه غير الأردنيين ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من قيمة السوق العامة.

هذا التباين بين نشاط السوق المحلي المتراجع وتوسع القيمة المرتبطة بالمشترين غير الأردنيين يستحق تفسيراً واضحاً: هل “نشاط” السوق العقاري الذي تحتفي به التقارير الدورية يعكس فعلاً اتساع فرص التملك أمام الأردنيين، أم أنه ينمو بدرجة متزايدة بفعل شريحة مختلفة من المشترين؟

أسئلة عن المستفيد الفعلي من “نشاط” السوق

لماذا ترتفع قيمة تملك غير الأردنيين بمعدل يفوق بأضعاف معدل نمو السوق العام، بينما تتراجع حركة البيع بين الأردنيين أنفسهم؟

هل يسهم ارتفاع الطلب من غير الأردنيين في رفع أسعار الشقق على المواطن العادي في المناطق التي يتركز فيها هذا التملك؟

هل تُنشر بيانات تفصيلية عن توزيع هذا التملك جغرافياً، بما يسمح بمعرفة ما إذا كان يتركز في مناطق بعينها يرتفع فيها السعر على الأردنيين تبعاً لذلك؟

خلاصة

مؤشرات التداول والإيرادات وبيوعات الشقق التي يحتفي بها كل تقرير شهري حقيقية ولا مجال للتشكيك في أرقامها. لكن القراءة الكاملة لهذه الأرقام – لا العنوان وحده – تكشف صورة أكثر تعقيداً: نمو شهري لا يعوّض تراجعاً سنوياً،

وارتفاعاً في القيمة قد يعكس أسعاراً أعلى لا مشترين أكثر، وتوسعاً في تملك غير الأردنيين يفوق وتيرة نمو السوق العام. وبين كل هذا، يبقى السؤال الذي يطرحه كل مواطن يرى هذه العناوين المتكررة دون أن يشعر بأثرها في قدرته على شراء بيت: لماذا لا تتحول “المؤشرات الإيجابية” المتكررة إلى فرصة فعلية يلمسها، لا رقماً يقرؤه فحسب؟

Scroll to Top