عمان – المنصة
نمو “قياسي” بنسبة 3%… وبطالة عالقة عند 21%: من لمس الرقم فعلاً؟
دائرة الإحصاءات تصف نمو الربع الثاني بأنه الأعلى منذ سنوات، فيما لا يزال خُمس القوى العاملة الأردنية خارج سوق العمل… فهل شعر المواطن بهذا الرقم في جيبه؟
أعلنت دائرة الإحصاءات العامة أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 3% في الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ2.8% في الفترة نفسها من العام الماضي، واصفة هذه النسبة بأنها “الأعلى منذ سنوات”، وأنها تتجاوز توقعات مؤسسات التمويل الدولية، وأن السياسات الحكومية والحوافز “الإيجابية” وراء هذا الأداء.
تصريح يستحق التوقف عنده بعناية أكبر مما يوحي به ظاهره: فالفارق بين الرقمين المقارَنين لا يتجاوز 0.2 نقطة مئوية، والقطاعات التي “قادت” النمو بحسب الترتيب المعلن ليست بالضرورة الأكثر تأثيراً فيه، والأهم: أن نسبة نمو مرتفعة لا تعني تلقائياً أن المواطن قد لمس أثرها.

“الأعلى منذ سنوات”… منذ متى بالضبط؟
وصف البيان النسبة بأنها “الأعلى منذ سنوات” دون تحديد السلسلة الزمنية التي بُني عليها هذا الوصف، أو ذكر الأرقام السابقة التي تجاوزها هذا الربع. كما أن مقارنة الأداء بتوقعات “مؤسسات التمويل الدولية” تحتاج توضيحاً: فقد توقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الأردني عند نحو 2.7% لعام 2026 بأكمله، وتوقعت وكالة “ستاندرد آند بورز” 2.5%، بينما تحدثت تقديرات أخرى للصندوق عن نطاق 2.9%-3%. مقارنة أداء ربع واحد (3%) بمتوسط توقع سنوي كامل (2.5%-2.9%) ليست مقارنة متكافئة تماماً، إذ إن أداء الأرباع الأخرى من العام هو ما سيحدد فعلياً ما إذا كان الاقتصاد قد “تفوق” على التوقعات السنوية أم لا.
أسئلة عن معنى “الرقم القياسي”
ما هي السنوات المرجعية بالضبط التي بُني عليها وصف هذا الربع بأنه “الأعلى منذ سنوات”؟
هل يجوز الحكم على “تجاوز توقعات المؤسسات الدولية” بناءً على أداء ربع واحد فقط، قبل معرفة نتائج بقية أرباع العام؟
لماذا لا تُنشر السلسلة الزمنية الكاملة لنمو الأرباع المماثلة (كل ربع ثانٍ) على مدى السنوات الخمس الماضية ليحكم القارئ بنفسه؟
من قاد النمو فعلاً؟ الفارق بين “أعلى نسبة” و”أكبر أثر”
تصدّر قطاع الزراعة قائمة القطاعات الأسرع نمواً بنسبة 7.8%، تلاه الصناعة التحويلية بـ6.2%، ثم الكهرباء بـ5%. غير أن هذا الترتيب يقيس معدل النمو، لا حجم الأثر الفعلي على الاقتصاد ككل.
فحين يُنظر إلى مساهمة كل قطاع في النمو الكلي المتحقق، يتضح أن الصناعة التحويلية – رغم معدل نموها الأقل من الزراعة – ساهمت بنحو 1.04 نقطة مئوية من إجمالي النمو، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مساهمة الزراعة التي لم تتجاوز 0.34 نقطة، بسبب اختلاف حجم القطاعين النسبي في الاقتصاد.
أسئلة عن “القطاعات القائدة”
إذا كانت الصناعة التحويلية هي المساهم الأكبر فعلياً في النمو الكلي، فلماذا يتصدّر قطاع الزراعة عنوان الخبر باعتباره “أبرز القطاعات التي قادت النمو”؟
هل يعكس نمو الزراعة بنسبة 7.8% تحسناً هيكلياً مستداماً، أم قد يكون متأثراً بعوامل موسمية كالأمطار ومواسم الحصاد، بما يجعله غير قابل للتكرار العام المقبل؟
من “السياسات الحكومية” إلى سوق العمل: أين اختفى الأثر؟
ربط البيان الرسمي تحقيق نسبة النمو هذه بـ”السياسات الاقتصادية الحكومية والحوافز والقرارات الإيجابية”، دون تسمية سياسة بعينها أو تقدير حجم أثرها مقارنة بعوامل أخرى خارجة عن القرار الحكومي. والأهم أن المؤشر الذي يفترض أن يعكس مباشرة استفادة المواطن من هذا النمو – سوق العمل – لم يتغيّر بالقدر نفسه: فقد سجلت بطالة الأردنيين 21% خلال الربع الثاني من 2026، بانخفاض هامشي قدره 0.3 نقطة فقط عن 21.3% قبل عام، فيما بقيت بطالة الإناث عند مستويات مرتفعة رغم التحسن النسبي.
أي أن كل خمسة أردنيين في سن العمل، هناك واحد منهم عاطل عن العمل، بصرف النظر عن نسبة النمو المعلنة.
السؤال الذي يعني المواطن مباشرة
كيف يتحقق “أعلى نمو منذ سنوات” بينما تبقى بطالة الأردنيين عالقة عند الخُمس تقريباً، بتحسن لا يتجاوز أعشار النقطة المئوية؟
ما هي السياسات الحكومية تحديداً التي يُنسب إليها هذا النمو، وهل جرى تقييم أثرها بمعزل عن عوامل خارجية كأسعار السلع العالمية أو مواسم الزراعة؟
هل تحسّن الدخل الحقيقي للمواطن (بعد حساب التضخم) بما يتناسب مع نسبة النمو المعلنة، أم أن الرقم يبقى إحصاءً كلياً لا ينعكس على مستوى الأسرة؟
كل ربع سنة تقريباً يصدر تقرير مشابه يصف النمو بأنه “إنجاز” و”يفوق التوقعات” – فهل يقتنع المواطن فعلاً بهذا الخطاب المتكرر ما دام لا يلمس أثره في فاتورته أو راتبه أو فرصة عمله؟
خلاصة
لا تُفنَّد الأرقام المعلنة في ذاتها؛ فنمو الناتج المحلي بنسبة 3% أفضل من نمو أقل، وتراجع الفاقد أو تحسن أي مؤشر أمر إيجابي من حيث المبدأ.
لكن الفجوة المتكررة بين لغة الإنجاز التي تصاحب كل تقرير رسمي، والواقع المعاش الذي يقيسه المواطن بعدد أيام العمل المتاحة له وقيمة راتبه الشرائية، تجعل من المشروع التساؤل في كل مرة: هل هذا الرقم حقيقي بالمعنى الذي يفهمه صاحب القرار، أم بالمعنى الذي يعيشه المواطن؟ وإلى متى ستظل الأرقام الكلية تتحسن على الورق دون أن تترجَم إلى شعور فعلي بالتحسن لدى من يُفترض أن هذا النمو مِن أجله؟
المصادر: دائرة الإحصاءات العامة الأردنية (تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني 2026، والتقرير الربعي للبطالة)، تقارير صندوق النقد الدولي ووكالة ستاندرد آند بورز حول توقعات نمو الاقتصاد الأردني لعام 2026.







