عمان – المنصة
10 نقاط أقل فاقداً في خطاب روما… فكم يوماً إضافياً عند صنبور المواطن؟
من قاعة الاجتماع الوزاري الثاني للاتحاد من أجل المتوسط بشأن المياه في روما، أعلن وزير المياه والري رائد أبو السعود أن الأردن نجح خلال السنوات الأربع الماضية في خفض الفاقد المائي بمقدار 10 نقاط مئوية، بما “أتاح استعادة كميات كبيرة من المياه” دون الحاجة إلى زيادة مماثلة في الموارد الجديدة. الرقم لافت، ويستحق التصفيق في أي منتدى دولي. لكن قراءة هذا الرقم في سياقه المحلي، وفي ضوء تصريحات رسمية أخرى صدرت في الأسابيع القليلة الماضية فقط، تكشف صورة أكثر تعقيداً بكثير.

أي رقم نصدّق؟ ثلاثة خطوط أساس خلال أسابيع
المفارقة أن الرقم المعلن في روما ليس هو نفسه الذي تكرر محلياً خلال الأسابيع القليلة السابقة على المؤتمر. ففي 18 آب 2026، قال الناطق باسم وزارة المياه إن الفاقد انخفض إلى 42.3%، مقارنة بـ54% “قبل ثلاثة أعوام”، أي بانخفاض 11.7 نقطة عن خط أساس قدره 54%.
وبعد أقل من أسبوع، وتحديداً في 24 آب 2026، أعلن الوزير نفسه أن الفاقد بلغ 41%، بانخفاض تراكمي 10.7 نقطة “منذ عام 2022″، وهو ما يعني حسابياً أن خط الأساس هذه المرة كان 51.7%، وليس 54%.
وفي تصريح سابق للوزير في آب 2024، كان الفاقد قد ذُكر عند 47%، بانخفاض 7 نقاط خلال ثلاث سنوات، أي عن خط أساس قدره 54% أيضاً – يتفق مع تصريح الناطق لكنه يختلف عن حساب الوزير نفسه بعد عامين.

أسئلة عن الرقم الذي لا يستقر
كيف تُعلن ثلاثة تصريحات رسمية، اثنان منها لنفس المسؤول خلال أقل من أسبوع، ثلاث نسب مختلفة لنسبة الفاقد المائي ذاتها في التوقيت نفسه تقريباً؟
أي خط أساس هو الصحيح فعلياً: 54% كما ذكر الوزير والناطق في مناسبتين منفصلتين، أم 51.7% كما يفترضه حساب تصريح 24 آب؟
هل هناك منهجية موحدة ومعلنة لقياس الفاقد المائي يمكن للمواطن والباحث الرجوع إليها، أم أن الرقم يُصاغ بحسب المناسبة والجمهور المخاطَب؟
من الأرقام إلى الصنبور: ماذا سيلمس المواطن فعلاً؟
الإنجاز الذي روّج له الوزير في روما وصف بأنه أتاح “استعادة كميات كبيرة من المياه وإتاحتها للتزويد”.
لكن السؤال الذي يعني المواطن مباشرة لم يُطرح ولم تجب عنه التصريحات: هل ترجم خفض الفاقد فعلياً إلى مزيد من أيام أو ساعات ضخ المياه إلى المنازل؟ فبحسب تقارير متعددة، لا تزال كثير من المناطق الأردنية تحصل على مياه الشرب مرة واحدة أسبوعياً فقط، وبعضها مرة كل أسبوعين، فيما تراجعت حصة الفرد السنوية من المياه إلى أقل من 80 متراً مكعباً لكافة الاستخدامات – وهو رقم أدنى بكثير من خط “الفقر المائي المطلق” المعترف به دولياً (500 متر مكعب سنوياً).
السؤال الذي يعني المواطن وحده
إذا كان الفاقد قد تراجع 10 نقاط مئوية فعلاً، فلماذا لم يتغيّر عدد أيام وصول المياه إلى غالبية المنازل الأردنية؟
أين ذهبت “الكميات الكبيرة المستعادة” التي تحدث عنها الوزير: هل وُجّهت لزيادة أيام التزويد المنزلي، أم لتغطية نمو الطلب واللاجئين فقط دون تحسين محسوس للمواطن الحالي؟
لماذا تُقاس إنجازات القطاع بنسبة الفاقد الفنية وحدها، ولا يُنشر إلى جانبها مؤشر بسيط يفهمه كل مواطن: كم يوماً في الأسبوع تصل المياه لبيته الآن مقارنة بأربع سنوات مضت؟
“يجب ألا تكون سلاحاً”… لكن من المقصود؟
دعا الوزير، في السياق الدولي نفسه، إلى ألا تُستخدم المياه العابرة للحدود “سلاحاً أو أداة سياسية”، مشدداً على ضرورة التعامل معها وفق القواعد الدولية.
التصريح جاء عاماً دون تسمية أي طرف إقليمي بعينه، في وقت لا يزال فيه ملف تجديد اتفاقية المياه مع إسرائيل – التي كانت تزود الأردن بكميات إضافية بأسعار مخفضة – معلقاً دون حسم، إلى جانب توترات مستمرة حول حصص الأردن من نهري اليرموك والأردن المشتركين مع الجوار.
أسئلة عن الرسالة الدبلوماسية العامة
هل يشير تصريح الوزير، ولو ضمنياً، إلى ملف اتفاقية المياه مع إسرائيل غير المجدَّدة حتى الآن، أم أنه خطاب مبدئي عام موجّه لكل الأطراف دون تمييز؟
ما الجدوى العملية لتصريح دبلوماسي عام في منتدى أوروبي متوسطي، إن لم يُقرن بخطوة تفاوضية محددة أو موقف معلن تجاه ملف بعينه؟
خلاصة
لا شك أن خفض الفاقد المائي جهد فني معقد يستحق الإشادة إن تحقق فعلاً وبشكل موثّق. غير أن تعدد الأرقام الرسمية لظاهرة واحدة خلال أسابيع قليلة يضعف الثقة في أي رقم يُعرض لاحقاً، محلياً كان أم في المحافل الدولية.
والأهم أن نجاحاً فنياً في خفض نسبة مئوية لا يعني تلقائياً تحسناً محسوساً في حياة المواطن، ما لم يترجَم إلى الإجابة عن السؤال الأبسط والأهم: كم مرة ستفتح المياه في صنبور بيتي هذا الأسبوع، وهل هذا العدد أكبر مما كان عليه قبل أربع سنوات؟







