...

مواسم “مفتعلة” أم قضاء وقدر؟ الشكوك تلتهم حقول القمح في الأردن

مواسم "مفتعلة" أم قضاء وقدر؟ الشكوك تلتهم حقول القمح في الأردن

عمان – المنصة

مواسم “مفتعلة” أم قضاء وقدر؟الشكوك تلتهم حقول القمح في الأردن

بين جفاف يزداد وطأةً موسماً بعد موسم، وإنتاج محلي لا يكفي سوى أسبوعين من احتياجات المملكة، وشكوك لا تهدأ حول نوايا خفيّة لإبقاء الأردن أسيراً للاستيراد — يجد المزارع الأردني نفسه أمام معادلة قاسية: هل خسارته قدر لا يُردّ، أم أن ثمة مشهداً أوسع يُدار بعيداً عن حقوله؟

مواسم "مفتعلة" أم قضاء وقدر؟ الشكوك تلتهم حقول القمح في الأردن

أولاً: جفاف أم تغيير مناخي متعمد التوقيت؟

لا خلاف بين المختصين على أن الأردن يمر بأزمة مناخية حقيقية؛ إذ رصدت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير حديث أن الأردن شهد عام 2025 ظروفاً مناخية جافة غير مسبوقة، مع ارتفاع في درجات الحرارة، أثّرت سلباً على الإنتاج الزراعي في محافظات إربد وجرش ومأدبا تحديداً.

وكانت كميات الهطول المطري دون نصف معدلها التاريخي، وهو ما انعكس مباشرةً على تراجع مخزون السدود بنسبة 26% خلال عامين متتاليين.
غير أن ما يُعمّق القلق هو تزامن هذا الجفاف مع توسّع حادّ في فاتورة الاستيراد؛ فبينما يتقلّص الإنتاج المحلي، يرتفع المتوقّع استيراده من الحبوب للعام التسويقي 2024/2025 إلى 3.2 مليون طن، بزيادة تتجاوز 10% عن المعدل السنوي المعتاد.

ويطرح هذا التلازم سؤالاً مشروعاً: هل الجفاف وحده يكفي لتفسير هذا الحجم من العجز؟

ثانياً: أسبوعان من القمح — بنية هشاشة قائمة

الأرقام التي تكشفها وزارة الصناعة والتجارة الأردنية وحدها كافية لاستيعاب هشاشة الموقف: دولة تحتاج يومياً 3000 طن من القمح لإعاشة سكانها البالغين 11.2 مليون نسمة، لا تنتج محلياً سوى 40 ألف طن سنوياً، أي ما يكفي لمدة أسبوعين لا أكثر.

الفجوة ليست طارئة — إنها بنيوية ومتراكمة، ومرتبطة بمنظومة مياه تنزف وأراضٍ بعلية تعتمد كلياً على المطر الذي بات نادراً.
وقد تحرّكت الحكومة في محاور متعددة للتخفيف من الأزمة؛ ففي موسم 2023/2024 وافق مجلس الوزراء على تخصيص 29 مليون دينار لشراء المحصول المحلي، وعلى بيع البذار المحسّن للمزارعين بسعر الشراء، إضافةً إلى رفع سعر شراء القمح والشعير بمقدار 50 ديناراً للطن لدعم صمود المزارعين أمام شُح الأمطار.

كما عمدت الحكومة في نوفمبر 2024 إلى حظر تصدير السلع الغذائية الأساسية إلا بموافقة وزير الصناعة والتجارة، في إطار سياسة تحوطية تزامنت مع تداعيات الحرب على غزة وتحولات المشهد الإقليمي.

ثالثاً: شكوك الشارع وردّ الحكومة

لطالما أشعل ملف القمح جدلاً في الأوساط الأردنية تجاوز حدوده الاقتصادية إلى فضاءات سياسية وشعبية أوسع.

يرى ناشطون ومتابعون أن زراعة القمح تواجه عقبات مصطنعة مصدرها إملاءات خارجية تسعى إلى إبقاء الأردن مستهلكاً صافياً في سوق الحبوب الدولية، لا منتجاً مستقلاً.

في المقابل، أكد وزير الزراعة المهندس خالد الحنيفات صراحةً أنه “لا توجد مؤامرة ضد زراعة القمح في الأردن”، وأن الوزارة توليه عناية كاملة.
بيد أن صمود هذه الرواية الرسمية يصطدم بوقائع يصعب تجاهلها: فعلى صعيد الحوافز، يظل دعم المزارعين قاصراً أمام ارتفاع كلف الإنتاج، لا سيما في ظل تراكم الديون ونقص السيولة وارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة.

أما مزارعو وادي الأردن فباتوا يصفون قطاعهم بأنه «مهدد بالانهيار»، وقال رئيس اتحادهم عدنان الخدام إن موجات الحر والجفاف تتسبب في «آثار كارثية» ليس على الموسم الراهن وحده، بل على قدرة المزارعين على الانطلاق من جديد في الموسم التالي.

رابعاً: الأمن الغذائي في مهب الرياح الإقليمية

لا تنفصل أزمة القمح الأردنية عن سياقها الجيوسياسي الأوسع. فمنذ الأيام الأولى للتوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على غزة، شرعت الحكومة الأردنية في تطبيق سياسة تحوطية لتأمين المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية وفي مقدمتها القمح، مع وضع خطط طوارئ بديلة تحسباً لأي اضطرابات في حركة الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر — الشريان الرئيسي لميناء العقبة.
ويزيد من حدة المشهد انكشاف الأردن على سوق الاستيراد العالمي في لحظة تشتعل فيها أسعار الحبوب بفعل الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة وتداعياتها على سلاسل الإمداد العالمية، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن كميات الاستيراد المطلوبة للأردن ستواصل ارتفاعها في غياب أي تحوّل نوعي في السياسات الزراعية المحلية.

خامساً: بصيص في أقصى الجنوب — قمح الصحراء

في مشهد مغاير يبدو فيه الأمل حاضراً، تشق سنابل القمح طريقها وسط البادية الوسطى حيث يستكشف باحثو مركز البحوث الزراعية بمحافظة مأدبا سلالات بذور محسّنة قادرة على التأقلم مع قسوة البيئة الصحراوية وشُح المياه.

وقد حقّق هذا المشروع نجاحات أولية مشجعة، وبدأ الأردن فعلياً في تنفيذ خطط للتوسع في الزراعة الاستراتيجية بالمناطق الجافة.
ويرى خبراء أن موسم 2025/2026، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في الهطول المطري مقارنةً بالعام الماضي، يمثّل فرصة لإعادة قراءة الإمكانات الكامنة في الأرض الأردنية؛ إذ أعلن مزارعون في مناطق عدة عن موسم «خير وغلال»، وهو استثناء يكشف أن الأرض لم تكفر بأهلها — إنما السياسات والموارد تفعل.

مواسم "مفتعلة" أم قضاء وقدر؟ الشكوك تلتهم حقول القمح في الأردن

 

خلاصة

بين رواية الجفاف والتغيّر المناخي التي تحتمي بها الجهات الرسمية، وسرديات الشكوك الشعبية التي تتهم «يداً خفية» بخنق زراعة القمح، تقع حقيقة أكثر تعقيداً: الأردن دولة شحيحة الماء فعلاً، لكن شُح الماء وحده ليس قدراً لا يُعالج.

ما يستوجب المساءلة هو غياب سياسة زراعية وطنية متكاملة تحول دون تضاعف فاتورة الاستيراد مع كل موجة جفاف، وتبني بدلاً من ذلك حاجزاً هيكلياً بين الأردن وهشاشة التبعية الغذائية.
المزارع الذي يراقب سنابله تذبل لا يملك رفاهية الانتظار حتى تُحسم النقاشات الأكاديمية؛ هو يحتاج اليوم إلى ماء، وبذار، وسعر عادل، وسياسة تصدق ما تعلنه.

والأسئلة التي تلتهم حقول القمح مع اللهيب — ستلتهم ثقة المزارعين بالدولة إن لم تجد أجوبة عملية قريبة.

 

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.