عمان – المنصة
ماتوا صامتين.. سيدة وشريكها في دائرة الشبهات بمجزرة قطط ضاحية الرشيد
تتابع الأجهزة الأمنية والمختصة في العاصمة عمّان التحقيق في واقعة نفوق واختفاء عشرات القطط داخل أحد مجمعات ضاحية الرشيد، وسط شبهات بارتكاب فعل تسميم متعمد، فيما تشير معلومات أولية متداولة إلى وجود شبهات حول تورط سيدة وشخص آخر يوصف بأنه شريكها، على أن يبقى تحديد المسؤوليات القانونية من اختصاص الجهات الرسمية وحدها .
الواقعة، التي طفت على السطح مع تداول مقاطع مصورة من محيط المجمع السكني، أعادت إلى الواجهة نقاشاً حاداً حول تطبيق قانون الرفق بالحيوان والمواد ذات الصلة في قانون العقوبات الأردني، وحول قدرة المنظومة القانونية على ردع أي فعل مماثل في المستقبل.
مشهد ميداني تتوجه إليه الأنظار
تظهر مقاطع الفيديو المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي سيدات وناشطات في حالة انهيار وبكاء عند العثور على جثث قطط في محيط أحد مجمعات ضاحية الرشيد، في مشاهد أثارت موجة تعاطف واسعة ومطالبات علنية بالكشف عن المسؤولين ومحاسبتهم .
الحادثة، بحسب ما أشارت إليه تقارير محلية، وقعت في أعقاب خلافات ومشادات مرتبطة بإطعام قطط الشوارع داخل المجمع، وهو خلاف اجتماعي مألوف في كثير من الأحياء السكنية، لكنه تحول هذه المرة إلى ما يشبه جريمة جماعية بحق كائنات لا تملك أن تدافع عن نفسها .
ما هو مؤكد وما لا يزال قيد التحقيق
المعلومات المتوفرة حتى لحظة إعداد هذا التقرير تؤكد وقوع نفوق لعشرات القطط في المنطقة نفسها، ووجود شبهات تسميم تتابعها الأجهزة المختصة، إلى جانب تحرك تحقيقي جار للكشف عن ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها .
في المقابل، لم يصدر حتى الآن بيان رسمي مكتوب يحدد العدد الدقيق للقطط النافقة، أو نوع المادة السامة المستخدمة، أو تفاصيل التوقيف والإحالة القضائية، فيما تحتفظ الجهات المختصة بحقها في الإفصاح وفق مقتضيات التحقيق .
الإطار القانوني: ثلاث بوابات للمساءلة
يفتح الإطار القانوني الأردني أكثر من مسار للمساءلة في مثل هذه الوقائع، وهو ما يجعل القضية اختباراً حقيقياً لتطبيق النصوص لا لوجودها.
فقانون الرفق بالحيوان اعتبر في المادة (4) منه أن إعطاء الحيوان مادة سامة أو مؤذية فعل من أفعال القسوة على الحيوان، إلى جانب القتل القصدي، وإلحاق الأذى، والتعذيب، والضرب .
أما قانون العقوبات، فقد نصت المادة (452) في فقرتها الأولى/بند (د) على أن قتل الحيوان بالتسمم يوجب في كل حال عقوبة الحبس من شهرين إلى سنتين، فيما نصت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أن الإقدام قصداً وبلا ضرورة على قتل حيوان أليف أو داجن يعاقب بالحبس حتى ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسين ديناراً .
كما تعاقب المادة (472) بالحبس حتى أسبوع وبغرامة حتى خمسة دنانير كل من ضرب حيواناً أليفاً أو داجناً بقسوة أو عذبه، وهي مادة تستخدم عادة في وقائع الإيذاء دون القتل .
سوابق قضائية توضح حدود التطبيق
المتابع للأحكام القضائية الأردنية في قضايا إيذاء الحيوان يلحظ أن التطبيق العملي غالباً ما يميل إلى الحد الأدنى من العقوبات المقررة.
ففي حكم لمحكمة صلح جزاء جرش يحمل الرقم (1770) لسنة 2016، أدين مشتكى عليه بجرم قتل حيوان قصداً وفق المادة (452/2) وحكم عليه بالغرامة عشرة دنانير والرسوم. وفي حكم لمحكمة جنح عمان يحمل الرقم (2459) لسنة 2012، قررت المحكمة أن المادة (452/2) هي النص الواجب التطبيق على قتل الحيوان، بينما تختص المادة (472/2) بضرب الحيوان الأليف بقسوة دون قتله .
هذه السوابق تفتح باباً مشروعاً لسؤال محوري: هل ستطبق المحكمة في قضية ضاحية الرشيد النص المتعلق بالتسميم بحده الأعلى، أي الحبس سنتين، بحكم أن الفعل جماعي وموصوف بالإصرار، أم أنها ستكتفي بحد أدنى كما جرى في قضايا فردية سابقة؟
بعد إعلامي: من حادثة محلية إلى قضية رأي عام
انتقلت الواقعة خلال ساعات من كونها حدثاً محلياً في حي سكني إلى قضية رأي عام تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، بفعل مقاطع الفيديو التي وثقت انفعال السكان وناشطات الرفق بالحيوان في الموقع.
هذا التحول الرقمي يضع ضغطاً مضاعفاً على الجهات الرسمية للإفصاح عن نتائج التحقيق في وقت مناسب، ويستدعي في الوقت نفسه معالجة إعلامية متأنية لا تنجرف إلى التشهير أو استباق الأحكام قبل قرار قضائي، خصوصاً أن أسماء “السيدة وشريكها” لم تُذكر رسمياً حتى الآن.
أسئلة تنتظر إجابات رسمية
تبقى القضية معلقة على إجابات تحتاج المنصات الإعلامية والرأي العام لسماعها من الجهات المختصة، وأبرزها: العدد الفعلي للقطط النافقة والمختفية، ونوع المادة السامة المستخدمة ومدى توفرها في السوق المحلي، وما إذا كان قد جرى توقيف المشتبه بهما، وتحت أي مادة قانونية بالتحديد، فضلاً عن موقف وزارة الزراعة بصفتها الوزارة المعنية بتطبيق قانون الرفق بالحيوان، وموقف أمانة عمّان الكبرى من ظاهرة تكرار تسميم قطط الشوارع في أحياء العاصمة.
خلاصة
قضية ضاحية الرشيد ليست مجرد خبر عابر عن نفوق حيوانات في حي سكني، بل اختبار مركب: للقانون في تطبيقه، وللمجتمع في تعامله مع خلافات الجوار قبل أن تتحول إلى جرائم، وللإعلام في قدرته على المعالجة الرصينة دون تضخيم ولا تهوين. الأنظار الآن تتجه إلى الجهات الأمنية والقضائية، بانتظار أن يقول القانون كلمته الفصل.








