قياس مؤشرات المراعي في الأردن.. خطوة إحصائية أم بداية حلّ حقيقي لأزمة الرعاة؟

قياس مؤشرات المراعي في الأردن.. خطوة إحصائية أم بداية حلّ حقيقي لأزمة الرعاة؟

عمان – المنصة

قياس مؤشرات المراعي في الأردن.. خطوة إحصائية أم بداية حلّ حقيقي لأزمة الرعاة؟

 

في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها عربياً، أطلق التحالف الوطني للأرض في الأردن، بالتعاون مع وزارة الزراعة والتحالف الدولي للأرض، أول عملية وطنية لقياس مؤشرات المراعي والرعاة ومربي الثروة الحيوانية، ليصبح الأردن أول دولة عربية تنضم إلى منهجية عالمية تُطبَّق في عدد محدود من دول العالم ضمن حملة تحمل اسم “Mobility Matters” أو “التنقل مهم”.

لكن وراء هذا الإعلان الرسمي، تبرز أسئلة جوهرية يطرحها المتابعون للملف الزراعي والرعوي في المملكة: لماذا تأتي هذه الخطوة الآن تحديداً؟ وما الذي سيتغير فعلياً في حياة الراعي ومربي الماشية بعد جمع هذه البيانات؟

ما الذي أعلنته الوزارة؟

بحسب بيان وزارة الزراعة، تهدف المبادرة إلى بناء قاعدة بيانات وطنية شاملة حول واقع المراعي والرعاة ومربي الثروة الحيوانية، من خلال قياس مؤشرات تتعلق بحالة المراعي، وسبل عيش الرعاة، وأنماط التنقل الرعوي، والتحديات التي يواجهها القطاع. وأكد رئيس التحالف الوطني للأرض الدكتور رائد غريب أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة لتعزيز المعرفة بواقع المجتمعات الرعوية، وأن انضمام الأردن إلى الحملة يعكس التزامه بتبني أفضل الممارسات الدولية في الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.

سؤال أول: لماذا الآن؟

يبقى التوقيت هو أول ما يثير التساؤل. فقطاع الرعي والثروة الحيوانية في الأردن يعاني منذ عقود من غياب بيانات دقيقة ومحدّثة، في حين تتوالى موجات الجفاف وتراجع مساحات المراعي الطبيعية عاماً بعد عام. فهل يأتي الإعلان استجابة متأخرة لأزمة تراكمت آثارها على مدى سنوات؟ أم أنه مرتبط بجدول زمني دولي فرضته حملة “Mobility Matters” نفسها، باعتبار الأردن ضمن عدد محدود من الدول المشمولة بها؟ وإذا كانت المنهجية متاحة عالمياً منذ سنوات، فما الذي أخّر تبنّيها محلياً حتى الآن، في ظل تحذيرات متكررة من مؤسسات دولية ومحلية بشأن تدهور المراعي الأردنية؟

سؤال ثانٍ: ما الفائدة الفعلية من القياس؟

قياس المؤشرات، بحد ذاته، لا يُغيّر واقعاً على الأرض، بل يوفر صورة رقمية عنه. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل ستتحوّل هذه البيانات إلى سياسات وبرامج تنفيذية ملموسة، أم ستنضم إلى أرشيف الدراسات والتقارير التي سبق أن أُعدّت حول القطاع الزراعي والرعوي دون أن تجد طريقها إلى التطبيق؟ الجهات الرسمية تتحدث عن “دعم تطوير السياسات والبرامج الوطنية القائمة على الأدلة”، لكن الرعاة أنفسهم ينتظرون إجابة أكثر تحديداً: متى ستظهر نتائج هذا القياس؟ وهل ستُنشر بشفافية ليطّلع عليها المعنيون بالقطاع، أم ستبقى حبيسة التقارير الداخلية؟

سؤال ثالث: وما العائد على الراعي ومربي الثروة الحيوانية؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لآلاف الأسر التي تعتمد على الرعي ومصدر رزق رئيسي. فحتى الآن، لم يتضمن الإعلان أي إشارة إلى خطة تنفيذية واضحة المعالم، أو جدول زمني محدد، أو موازنة مخصصة لترجمة نتائج القياس إلى تدخلات فعلية على الأرض، سواء بدعم مباشر للرعاة، أو تحسين البنية التحتية للمراعي، أو تسهيل مسارات التنقل الرعوي التقليدية التي تتقلص باستمرار بفعل التوسع العمراني والزراعي. والسؤال المشروع هنا: هل ستكون هذه المبادرة مجرد مرحلة تشخيصية تسبق مرحلة علاجية غير معلنة الملامح بعد؟ وهل سيُشرك الرعاة أنفسهم في صياغة الحلول، أم ستبقى القرارات محصورة في الغرف المغلقة بين الوزارة والمؤسسات الدولية الداعمة؟

مشاكل حقيقية يعاني منها قطاع الثروة الحيوانية في الأردن

لا يمكن قراءة هذا الإعلان بمعزل عن الأزمات المزمنة التي يعيشها القطاع، ومن أبرزها:

● تراجع مساحات المراعي الطبيعية بفعل التصحر والجفاف المتكرر وسوء إدارة الأراضي.

● ارتفاع تكاليف الأعلاف بشكل متواصل، ما يُثقل كاهل مربي الثروة الحيوانية ويدفع كثيرين إلى تقليص قطعانهم أو الخروج من القطاع بالكامل.

● غياب التأمين الفعّال ضد مخاطر الجفاف والأوبئة الحيوانية، ما يترك الرعاة وحدهم في مواجهة الكوارث الطبيعية.

● ضعف البنية التحتية في المناطق البادية، من طرق ومصادر مياه ومراكز بيطرية، ما يزيد من صعوبة حياة الرعاة وأسرهم.

● التوسع العمراني والزراعي على حساب مسارات التنقل الرعوي التقليدية، ما يقلّص هوامش الحركة أمام القطعان.

● غياب بيانات دقيقة ومحدّثة على مدى سنوات طويلة، وهو ما تحاول المبادرة الحالية معالجته جزئياً.

● ضعف تمثيل الرعاة في صناعة القرار المتعلق بالسياسات الزراعية والبيئية التي تمسّ حياتهم مباشرة.

الخلاصة

تمثل عملية القياس الوطنية خطوة إيجابية على مستوى المبدأ، إذ توفر لأول مرة قاعدة بيانات علمية موحّدة حول واقع الرعي في الأردن، وتضع المملكة في مصاف الدول الرائدة عربياً في هذا المجال. غير أن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بعدد المؤشرات التي سيتم جمعها، بل بما سيترتب عليها من سياسات وبرامج ملموسة تصل فعلياً إلى الرعاة ومربي الثروة الحيوانية. ودون خطة تنفيذية واضحة، وموازنات مخصصة، وآليات متابعة شفافة، تبقى المبادرة في خانة “جمع المعلومات”، بينما تظل الأسئلة الأكثر إلحاحاً – عن مصير الراعي، ومستقبل المراعي، وجدوى الاستمرار في هذه المهنة – بلا إجابات واضحة حتى الآن.

Scroll to Top