إربد — المنصة
قراءة الأسبوع: حرائق إربد المتكررة تكشف عن أزمة وقاية لا أزمة استجابة
حادثتان منفصلتان في توقيتهما، متطابقتان في جوهرهما، تكشفان عن نمط متكرر يستحق وقفة تحليلية جادة: الأولى حريق أعشاب جافة امتد ليلتهم مستودعاً في حي الطوال، والثانية معركة فردية خاضها شاب من بلدة صمّا لإنقاذ 20 دونماً من القمح في كفر رحتا.
الحادثتان، رغم اختلاف تفاصيلهما، تضعان إصبعاً على جرح موسمي متكرر: محافظة إربد تدخل موسم الحرائق كل عام بجاهزية تفاعلية لا وقائية.
القراءة الأولى: من حريق أعشاب إلى تهديد للممتلكات
تكرار سيناريو “حريق أعشاب جافة يمتد إلى مستودع أو ممتلكات” ليس حادثاً عابراً، بل هو نمط فصلي متكرر يرتبط مباشرة بدورة المناخ في الشمال الأردني. فمع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وجفاف الغطاء النباتي البري، تتحول الحقول والمساحات المهملة إلى وقود جاهز للاشتعال عند أي شرارة — سواء كانت عقب سيجارة، أو شرارة كهربائية، أو حتى انعكاس شمس على زجاجة مكسورة.
الإشكالية الحقيقية هنا ليست في وقوع الحريق بحد ذاته — فالظواهر المناخية لا يمكن إلغاؤها — بل في غياب إجراءات الوقاية الاستباقية: لا حزام أمان (firebreaks) واضح بين الأراضي العشبية والمستودعات والمناطق السكنية، ولا حملات منتظمة لإزالة الأعشاب الجافة قرب المنشآت الحساسة قبل ذروة الموسم، رغم أن هذا النوع من الحرائق قابل للتنبؤ به مسبقاً بدرجة عالية.
القراءة الثانية: حين يسبق المواطن
في المقابل، تقدم حادثة الشاب أحمد الشرع نموذجاً مغايراً تماماً — مواطن عادي، بلا تدريب مؤسسي ولا معدات متخصصة، يواجه النيران بخرطوم مياه بسيط لإنقاذ محصول قمح يخص آخرين، ويتحمل حروقاً في قدميه لا يشعر بها إلا بعد انتهاء المعركة.
هذا النوع من البطولات الفردية، رغم نبله، يحمل دلالة مقلقة لا تقل أهمية عن جانبه الإيجابي: فحين يضطر مواطن غير مدرّب لأن يكون خط الدفاع الأول أمام حريق زراعي، فهذا يعني أن الفجوة الزمنية بين اندلاع الحريق ووصول الفرق المتخصصة لا تزال كافية لأن يتدخل المواطنون بأنفسهم، خصوصاً في المناطق الزراعية الطرفية البعيدة عن مراكز الدفاع المدني الرئيسية.
بعبارة أخرى: شجاعة أحمد الشرع تستحق التكريم بلا شك، لكنها في الوقت ذاته مؤشر صامت على ثغرة في زمن الاستجابة يجب ألا تُترك لتُعالَج بالصدفة وبطولات الأفراد في كل موسم.
القاسم المشترك: غياب الوقاية الاستباقية المنظمة
الحادثتان معاً ترسمان صورة واحدة: استجابة جيدة بعد وقوع الحريق، لكن غياب شبه كامل لمنظومة وقاية قبلية منظمة.
ولأن إربد ومحافظات الشمال عموماً تشتهر بكثافة أراضيها الزراعية ومخزونها من الأعشاب البرية، فإن تكرار هذا السيناريو موسماً بعد موسم يطرح
أسئلة جوهرية:
هل توجد خطة سنوية معلنة لإزالة الأعشاب الجافة من محيط المستودعات والمنشآت قبل ذروة الصيف؟ هل تُجرى حملات توعية استباقية للمزارعين وأصحاب المستودعات في المناطق المعرضة؟ وهل تتوفر فرق دفاع مدني ميدانية كافية قريبة من القرى الزراعية البعيدة كصمّا وكفر رحتا، أم أن الاعتماد يبقى على استجابة مركزية متأخرة؟
خلاصة: من ردة الفعل إلى الفعل الوقائي
ما يستحق الإشادة في هاتين الحادثتين هو الاستجابة الميدانية — سواء من طواقم الدفاع المدني المحترفة أو من مواطن تطوّع بجسده ودمه لحماية محصول لا يملكه.
لكن الاحتفاء بالبطولة الفردية لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: لماذا يبقى الأردنيون، عاماً بعد عام، في موقع رد الفعل أمام حرائق يمكن توقعها والوقاية منها مسبقاً؟







