عمان – المنصة
في 16 أيار/مايو 2026، أدلى وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية الدكتور محمد المومني بمداخلة خلال جلسة «إعلام يواكب اللحظة: كيف نصمم الرسالة في عالم يضج بالمحتوى؟»، ضمن النسخة الرابعة من منتدى «تواصل 2026» المنعقد في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات في البحر الميت تحت رعاية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.
كشف المومني خلال المداخلة أن الحكومة ومؤسسات الدولة تستعين أحياناً بناشطي مواقع التواصل الاجتماعي لتفنيد الشائعات، وأشار إلى أن 62% من الإشاعات خلال الحرب الأخيرة كان مصدرها وسائل تواصل دولية، و15% منها إعلام إقليمي.
سرعان ما أثار جزء من هذه التصريحات موجة من التعليقات والانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، فُسّر فيها الحديث على أنه تراجع عن دور الإعلام التقليدي بوصفه «السلطة الرابعة». وفي المساء ذاته، نشر الوزير توضيحاً عبر منصة «إكس» أكّد فيه أن الانفتاح على الأدوات الرقمية ليس بديلاً عن الإعلام المهني ولا على حسابه.
تتناول هذه الدراسة الحادثة بوصفها نموذجاً كاشفاً لأزمة أعمق في منظومة الاتصال الحكومي والإعلامي في الأردن، وتطرح قراءة تحليلية لما قيل، وما فُهم، وما أُريد له أن يُفهم، إضافة إلى استشراف ممكنات الحل.
أولاً: السياق العام للحدث
1.1 الإطار الزمني والمكاني
عُقدت النسخة الرابعة من منتدى «تواصل» يوم السبت الموافق 16 أيار/مايو 2026، في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات بمنطقة البحر الميت، بتنظيم من مؤسسة ولي العهد، وتحت رعاية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. ويُعدّ المنتدى من أبرز التظاهرات الإعلامية في المملكة، إذ يجمع صنّاع القرار والإعلاميين والباحثين والمؤثرين الرقميين حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل الإعلام والاتصال.
1.2 طبيعة الجلسة
شارك الدكتور محمد المومني في جلسة حملت عنواناً دلالياً بليغاً: «إعلام يواكب اللحظة: كيف نصمم الرسالة في عالم يضج بالمحتوى؟». والعنوان نفسه يعكس وعي القائمين على المنتدى بأن البيئة الإعلامية الراهنة تتطلب إعادة تفكير في «كيفية» الاتصال، لا في «ماهيته» فحسب.
1.3 خلفية المُتحدّث
الدكتور محمد المومني شخصية تجمع بين البُعد الأكاديمي والخبرة الحكومية؛ شغل سابقاً موقع وزير الاتصال الحكومي في حكومات متعاقبة، وهو عضو في مجلس الأعيان، وعمل في مراكز بحثية دولية، ويُعرف عنه هدوء الخطاب ودقة الصياغة. تولّى مهامه الحالية وزيراً للاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة في 18 أيلول/سبتمبر 2024.
ثانياً: تفكيك المضمون – ماذا قال المومني فعلاً؟
2.1 المحاور الرئيسة للمداخلة
بمراجعة ما نُقل من تصريحات الوزير عبر وسائل الإعلام الأردنية والعربية، يمكن استخلاص أربعة محاور أساسية شكّلت بنية مداخلته:
- التعدد في أدوات الاتصال: الإقرار بأن الحكومة تستخدم وسائل متعددة في إيصال الرسالة، تشمل الإعلام الرسمي، والمؤثرين الرقميين، والتصريحات المباشرة، وفق طبيعة الحدث وحساسيته.
- التوازن بين السرعة والدقة: التأكيد على أهمية تقديم المعلومة الأولية بسرعة دون الإخلال بمعيار الدقة، خاصة في ظل التدفق الهائل للمحتوى.
- الاستعانة بناشطي التواصل: الإفصاح عن آلية تعمل بها الحكومة، تتمثل في التواصل مع ناشطين رقميين وتزويدهم بالحقائق لمواجهة شائعات بعينها.
- توصيف خريطة الإشاعات: تقديم بيانات رقمية حول مصادر الإشاعات خلال الحرب الأخيرة، وهي بيانات لها دلالة تحليلية مهمة.
2.2 الأرقام كمفتاح للفهم
تضمّنت مداخلة الوزير معطيات إحصائية مهمة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام. هذه الأرقام، إن صحّت، تُعيد رسم خريطة المعركة الإعلامية:
هذه الأرقام، إن قُرئت بدقة، تنقل النقاش من فضاء «من يستحق التصديق» إلى فضاء أعمق هو: «من يصنع الرواية، ومن يموّلها، ومن يستفيد منها؟».
ثالثاً: شرارة الجدل وتشريحه
3.1 ما الذي أشعل التعليقات؟
لم تكن مداخلة المومني كلها موضع جدل؛ بل تركّز الانتقاد على عبارة بعينها تتعلق بالاستعانة بـ«المؤثرين» و«ناشطي التواصل» لتفنيد الشائعات. وقد قرأ كثير من الإعلاميين في هذه العبارة إشارةً غير مباشرة إلى تراجع الثقة بالإعلام التقليدي، أو ميلٍ حكومي نحو تجاوزه.
3.2 ثلاث قراءات نقدية متمايزة
القراءة الأولى: المخاوف المهنية
رأى عدد من الإعلاميين أن الاعتماد على المؤثرين بوصفهم قناة لتفنيد الشائعات يحمل إشكاليات جوهرية، أبرزها:
- غياب الميثاق المهني والمعايير التحريرية لدى صنّاع المحتوى الرقمي.
- صعوبة قياس مدى الانتشار والوصول الفعلي مقارنة بأدوات الإعلام المؤسسي.
- الخلط بين الدور الإعلامي والدور الترويجي، وهو ما تعاني منه بيئة المحتوى الرقمي عربياً.
القراءة الثانية: التأويل السياسي
ذهب فريق آخر إلى أن التصريح يعكس توجهاً حكومياً نحو الاستغناء التدريجي عن الإعلام المؤسسي لصالح فضاء رقمي أقل مساءلة، وأكثر طواعية للتوجيه. ورأى أصحاب هذه القراءة أن في التصريح ما يُشير إلى أن «السلطة الرابعة» تتراجع إلى موقع متأخر في حسابات الدولة.
القراءة الثالثة: الدفاع عن الوزير
في المقابل، رأى مدافعون عن الوزير أن ما جرى هو نموذج مكتمل لـ«اجتزاء السياق»؛ إذ انتُزعت جملة من مداخلة متكاملة وأُعيد توظيفها بوصفها موقفاً سياسياً، في حين أن الأصل كان توصيفاً مهنياً لأدوات التعامل مع فضاء إعلامي متحوّل. وقد عبّرت بعض المنابر الإعلامية الأردنية عن هذا الرأي بصراحة، واصفةً المومني بأنه «أزعجهم بالهدوء فحاربوه بالاجتزاء والتأويل».
3.3 ديناميكيات السجال الرقمي
في الفضاء الرقمي، لا يحكم الحقيقةَ منطقُ الاستدلال، بل منطقُ الانتشار. والعبارة التي تُختزل في عنوان تُسافر أبعد بكثير من العبارة التي تحتاج إلى سياق.
هذه قاعدة عامة تُفسّر لماذا يجد المسؤولون أنفسهم – في الكثير من الأحيان – أمام تأويلات لم يقصدوها، وردود فعل على أفكار لم يطرحوها. وهي ظاهرة تتطلب منهم استراتيجيات اتصال أكثر دقة في الصياغة، وأسرع في التوضيح.
رابعاً: قراءة في توضيح الوزير عبر منصة «إكس»
4.1 نص التوضيح
في تطور سريع للأحداث، بادر الدكتور المومني مساء اليوم ذاته إلى نشر توضيح عبر حسابه على منصة «إكس»، تضمّن النص التالي:
تابعت بعض ما جرى تداوله حول مداخلتي اليوم في منتدى تواصل، وأود التأكيد أن الانفتاح على أدوات الاتصال الرقمي الحديثة بجميع أنواعها ليس أبداً على حساب دور الإعلام باعتباره السلطة الرابعة ولا بديلاً عنه. موقفي كان وما يزال واضحاً: التعامل مع الإشاعات والمعلومات المضللة يتطلب استخدام جميع أدوات الاتصال المتاحة، التقليدية منها والرقمية، بما يعزز وصول المعلومة الدقيقة بسرعة ووضوح ومسؤولية، وبما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على دور الإعلام المهني ومكانته الوطنية.
4.2 تحليل بنية التوضيح
يمكن قراءة التوضيح ضمن ثلاث مستويات تحليلية:
المستوى الأول: المستوى البلاغي
- الاعتراف الضمني بحدوث جدل («تابعت بعض ما جرى تداوله»).
- استخدام صيغة التأكيد المضاعف («وأود التأكيد»)، وهي صيغة تنفي وتؤكد في الوقت نفسه.
- توظيف مصطلح «السلطة الرابعة» صراحةً، وهو مصطلح ذو حمولة رمزية مهمة لدى الإعلاميين.
المستوى الثاني: المستوى السياسي
- التوضيح لا يتراجع عن المضمون الأصلي، بل يُعيد تأطيره.
- الإطار الجديد هو «التكامل لا الإحلال» بين أدوات الاتصال.
- تجنّب المواجهة المباشرة مع المنتقدين، والاكتفاء بـ«ما جرى تداوله».
المستوى الثالث: المستوى الاستراتيجي
- سرعة الاستجابة (في اليوم ذاته) تعكس وعياً بأهمية إدارة السردية في الفضاء الرقمي.
- اختيار منصة «إكس» نفسها للرد فيه دلالة على الاعتراف بمركزية المنصات في تشكيل الرأي العام.
- الصياغة المتوازنة تجنّب «حرباً مفتوحة» مع الإعلاميين، وتُبقي الباب مفتوحاً للحوار.
خامساً: قراءة في ما وراء الجدل
الحدث، في جوهره، أكبر من تصريح واحد ورد عليه. إنه يكشف جملة من التحولات الهيكلية التي تعيشها منظومة الإعلام في الأردن والمنطقة:
5.1 التحول الأول: أزمة «الوسطاء الإعلاميين»
الإعلام التقليدي – في الأردن وفي العالم العربي – يمرّ بحالة من القلق الوجودي. لم يعد محتكراً للوصول إلى الجمهور، ولم يعد طرفاً وحيداً في صياغة الأجندة العامة. وفي المقابل، صعد نجم صنّاع المحتوى الرقمي بوصفهم وسطاء بديلين، يصلون إلى جماهير أوسع، بميزانيات أقل، وبدون قيود مهنية صارمة. كل تصريح رسمي يلمح إلى الاستعانة بهؤلاء يُقرأ في هذا السياق المثقل بالمخاوف.
5.2 التحول الثاني: إعادة تعريف «السلطة الرابعة»
مفهوم «السلطة الرابعة» نفسه يخضع لإعادة تعريف على المستوى العالمي. لم تعد الصحافة محتكرة لوسائلها التقليدية، ولا الجمهور يستقي معلوماته من مصادر محصورة. والمسألة الحقيقية لم تعد «من يقدم المعلومة»، بل «كيف تُقدَّم، ووفق أي معايير، وتحت أي مساءلة».
5.3 التحول الثالث: الإشاعة بوصفها سلاحاً سياسياً
الرقم الذي ساقه الوزير – 62% من الإشاعات مصدرها منصات دولية – يحمل دلالة مفصلية. الإشاعة لم تعد ظاهرة اجتماعية تلقائية، بل تحوّلت إلى سلاح سياسي تُديره فاعلون عابرون للحدود، يستهدفون الاستقرار الداخلي للدول. ومواجهة هذا السلاح تتطلب أدوات متعددة، لا أداة واحدة.
سادساً: التوصيات والاستنتاجات
6.1 على المستوى الحكومي
- صياغة وثيقة استراتيجية واضحة للاتصال الحكومي تُحدد العلاقة بين الإعلام التقليدي والرقمي، وتُرسم فيها حدود التعاون مع المؤثرين بشفافية.
- اعتماد آليات للإفصاح حين تكون هناك علاقة بين الحكومة وأي صانع محتوى، حفاظاً على ثقة الجمهور.
- توفير تدريب متخصص للمتحدثين الرسميين على إدارة السردية في الفضاء الرقمي، بما يقلل من فرص الاجتزاء والتأويل.
- تعزيز قدرات الإعلام الرسمي بدلاً من الاعتماد المتزايد على بدائل غير مؤسسية.
6.2 على المستوى الإعلامي
- تطوير الإعلام التقليدي لمنصاته الرقمية بحيث لا يكون متلقياً للأخبار، بل صانعاً لها في الفضاء الإلكتروني أيضاً.
- الانفتاح على نقاش مهني حول كيفية التعايش مع صنّاع المحتوى الرقمي، بدلاً من الاكتفاء بموقع الدفاع.
- الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والتحليلية، وهي المجالات التي يصعب على المؤثرين الرقميين منافسة الإعلام المهني فيها.
6.3 على المستوى التشريعي
- استكمال الإطار التشريعي لتنظيم المحتوى الرقمي بما يحترم حرية التعبير ويصون المسؤولية المهنية.
- وضع معايير واضحة للإفصاح عن المحتوى المدفوع أو الموجَّه، أسوة بالممارسات الدولية.
6.4 على المستوى المجتمعي
- إدراج مهارات التحليل النقدي للمحتوى الرقمي في المناهج التعليمية.
- تشجيع المبادرات المستقلة لتقصّي الحقائق (fact-checking) ودعمها مؤسسياً.
خاتمة: المعركة الأهم لم تُخض بعد
بين ما قاله المومني، وما فُهم منه، وما عاد ليؤكده، تبقى المسألة الجوهرية معلّقة: كيف يُبنى نظام اتصال حكومي في الأردن يحفظ للإعلام المهني مكانته، ويستوعب في الوقت نفسه واقع الفضاء الرقمي، دون أن يقع في فخ التوظيف الانتقائي للمؤثرين، أو في فخ الانغلاق على وسائل تجاوزها الزمن؟
الإجابة لا تُختصر في تغريدة، ولا في مداخلة، ولا في توضيح. بل في رؤية متكاملة تُترجَم على شكل سياسات وتشريعات وممارسات يومية. أما الجدل حول كلمات الوزير، فربما كان أكثر فائدة لو تحوّل إلى نقاش مؤسسي عميق حول مستقبل الإعلام الأردني، بدلاً من أن يُستهلك في معركة عناوين عابرة على المنصات.
وحدها النقاشات الجادة، حين تُدار بهدوء العارف لا بضجيج المنفعل، تنتج إعلاماً قادراً على أن يكون فعلاً سلطةً رابعة.








