حين يكون الردع دفاعاً عن النفس: قراءة في عملية “الردع الأردني – حمود”
عمّان – مصطفى الريالات
لم يكن السؤال في عمّان، بعد أن سال دم المشيّعين على عتبات كنيسة القديس جاورجيوس في حمود، هل نردّ؟ بل كان: إلى أين يجب أن يصل الرد كي لا تتكرر الجريمة؟ والجواب الذي حملته مقاتلات سلاح الجو الملكي مساء الاثنين 26 تشرين الأول إلى أوكار التنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا، هو أن الدفاع عن النفس لا يكتمل إذا توقف عند حدود الخريطة بينما يقف مصدر الخطر خلفها.
حق الدول في الدفاع عن نفسها ليس اجتهاداً سياسياً عابراً، بل قاعدة راسخة في القانون الدولي، كرّستها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقرّ «الحق الطبيعي» للدول، فرادى وجماعات، في الدفاع عن نفسها إذا تعرّضت لهجوم مسلح. والهجوم الذي أودى بحياة تسعة أردنيين في جنازة لم يكن جريمة جنائية معزولة؛ فقد أعلنت القوات المسلحة أن منفذيه يرتبطون بتنظيمات إرهابية تنشط في الجنوب السوري، وهو ما يضعه في خانة الاعتداء المسلح المنظّم الذي يُدار من خارج الحدود.
حين يُخطَّط للهجوم في مكان، ويُنفَّذ في مكان آخر، يصبح ملاحقة المنفذين وحدهم علاجاً للعَرَض وتركاً للمرض. المنفذون الثلاثة اعتُقلوا خلال اثنتين وسبعين ساعة، وهذا إنجاز أمني يُحسب للأجهزة الأردنية. لكن البنية التي جنّدت ووجّهت وسلّحت بقيت قائمة، قادرة على إنتاج خلية رابعة وخامسة. وضرب هذه البنية هو جوهر الدفاع عن النفس، لا تجاوزاً له.
يشترط الفقه الدولي في الدفاع المشروع ركنين: الضرورة والتناسب. أما الضرورة فقائمة؛ إذ لا يملك الأردن وسيلة أخرى للوصول إلى أوكار تقع في مناطق لا تخضع لسيطرة أمنية فعلية، وظلّت لسنوات منطلقاً لشبكات تهريب المخدرات والسلاح والخلايا المتطرفة باتجاه حدوده الشمالية. وأما التناسب فواضح في طبيعة العملية: ضربات جوية محدودة استهدفت، بحسب بيان الجيش، مواقع للتنظيمات وعناصرها وآلياتها، لا مدناً ولا بنى مدنية، ولم تتحول إلى حملة مفتوحة أو توغل بري.
ويزيد من متانة الموقف الأردني أن البيان العسكري أكد تنفيذ العملية بالتنسيق مع الحكومة السورية. وفي القانون الدولي، فإن موافقة الدولة المعنية تُضاف إلى حق الدفاع عن النفس لتمنح العملية أساساً مزدوجاً: دفاع عن الأردنيين، وتعاون إقليمي في مواجهة عدو مشترك يهدد سوريا نفسها كما يهدد جيرانها.
من يتذكر شباط/فبراير 2015 يعرف أن الأردن لا يقرأ الإرهاب بوصفه شأناً داخلياً فحسب. يومها، وبعد جريمة إحراق الطيار الشهيد معاذ الكساسبة على يد تنظيم «داعش»، أطلق سلاح الجو الملكي عملية «الشهيد معاذ» ضد مواقع التنظيم، وكانت الرسالة واحدة: دم الأردنيين ليس رخيصاً، والجغرافيا لا تحمي القتلة. واليوم، يحمل اسم العملية «حمود» المعنى ذاته؛ فالقرية الصغيرة في الكرك صارت عنواناً لمعادلة ردع جديدة.
وعلى المنوال نفسه، تعامل الأردن خلال السنوات الماضية مع تهديد شبكات التهريب في الجنوب السوري بضربات استهدفت مصانع ومستودعات تُستخدم منطلقاً نحو أراضيه. الخيط الناظم في كل ذلك أن المملكة لا تبحث عن مواجهة، لكنها لا تقبل أن تتحول حدودها إلى ممر مفتوح للموت.
لم يكن اختيار كنيسة أثناء جنازة اختياراً عشوائياً. أراد القتلة أن يضربوا ما هو أعمق من الأرواح: فكرة الأردن نفسها، القائمة على عيش مشترك بين المسلمين والمسيحيين لم تهزّه عواصف الإقليم. ولهذا فإن الرد لم يكن دفاعاً عن تسعة شهداء وعائلاتهم فحسب، بل عن نسيج وطني كامل. وقد قالت الكرك كلمتها حين خرج آلاف الأردنيين في تشييع موحّد، وقالها الملك عبد الله الثاني حين أكد أن محاولات المساس بوحدة الأردنيين لن تنجح.
الدفاع عن النفس، بهذا المعنى، ليس فعلاً عسكرياً فقط. إنه إعلان بأن الدولة التي تحمي كنائسها ومساجدها بالقدر نفسه، ستلاحق من يستهدف أياً منها إلى آخر الطريق.
لا بدّ من قولها بوضوح، قطعاً للطريق على كل من يحاول تحريف المعنى: الأردن لا يعتدي على أشقائه، ولم يكن يوماً خصماً لسوريا ولا لشعبها. فالمملكة التي فتحت حدودها وبيوتها ومدارسها ومستشفياتها لمئات آلاف السوريين الفارّين من الحرب على مدى أكثر من عقد، وتقاسمت معهم الماء الشحيح والموارد المحدودة، لا يمكن أن تُتّهم بالعداء لهم. وهي ذاتها التي احتضنت العراقيين في محنتهم، ولم تغب طائراتها ومستشفياتها الميدانية وقوافلها عن غزة في أشد أيامها قسوة.
هذا هو الأردن الذي يعرفه الأشقاء: السند الذي يقف معهم في وقت الضيق، لا حين تكون الوقفة سهلة فقط. ومن هنا، فإن ضرب أوكار الإرهاب والتنظيمات المسلحة في الجنوب السوري ليس موجّهاً ضد سوريا، بل ضد من يعبث بأمنها وأمن جيرانها معاً. فهذه التنظيمات التي تتخذ من الجنوب السوري ملاذاً، تقتل السوريين قبل الأردنيين، وتهرّب السموم إلى المنطقة بأسرها، وتستهدف الكنائس والمساجد على جانبي الحدود.
إن حماية الأردن حقٌّ مشروع، لكنها أيضاً حماية للسند نفسه. فالأردن القوي الآمن هو الذي يبقى قادراً على أن يمدّ يده لأشقائه كلما احتاجوا إليه، وإضعافه بالإرهاب لا يخدم إلا من يريد أن يخسر العرب آخر جدرانهم المتماسكة. ومن يقف دوماً مع أشقائه في الشدائد، من حقه، بل من واجبه، أن يحمي نفسه ممن يتخذ من أرض الأشقاء منصة للغدر به.
لم يكن بيان القوات المسلحة غامضاً حين أعلن أن العملية جرت بالتنسيق مع دمشق؛ فقد صدر علناً ومنذ الساعات الأولى. ولو كان لدى الأشقاء ما يخالفه، لكان الأولى أن يُقال في حينه، لا أن يأتي النفي متأخراً بعد أن اتضحت النتائج. فالعملية لم تطل إلا ما يهدد العاصمتين معاً، والتنظيمات التي سقطت أوكارها لم تكن يوماً سنداً لدمشق، بل خنجراً في خاصرتها كما هي في خاصرة عمّان. والتنصّل من شراكة كهذه بعد إنجازها يربك المشهد أكثر مما يخدم أحداً.
والأردن لا يجد في القوة متعة، ولا في الدم نصراً، داخل حدوده أو خارجها. غير أن للصبر حدوداً يرسمها أمن الناس. فمن يمدّ يده إلى الأرض الأردنية، أو يموّل ويوجّه من يقتل المشيّعين في الكرك، أو يحوّل حدودنا إلى ممر لسلاح ومخدرات تفتك بشبابنا، فقد اختار مصيره بنفسه، وستلاحقه العاقبة مهما طال الزمن وبعدت المسافة. ليس ذلك ثأراً أعمى، بل قاعدة قديمة قِدم العدالة: الجزاء من جنس العمل.
أما حملات التشكيك والتطاول على الجيش العربي في الأيام الماضية، فحريٌّ بأصحابها أن يسألوا أنفسهم: أين كانت أصواتهم حين استباحت طائرات الاحتلال سماء دمشق وضربت قلبها؟ فالغيرة على سيادة سوريا لا تكون انتقائية، تصمت أمام المحتل وترتفع في وجه الشقيق الذي يحمي ظهرها. ولعل أبلغ ما يُقال هنا ما يردده أهل الشام أنفسهم حين يريدون إغلاق باب جدل عقيم: «فضّوها سيرة»؛ فالمصلحة المشتركة اليوم أكبر من سجالات لا يستفيد منها إلا الإرهاب المتربص بالبلدين.
سيقول بعضهم إن الضربات عبر الحدود تفتح باباً للتصعيد، وإن أي عمل عسكري خارج الأرض الوطنية يحمل كلفة إنسانية. وهذه هواجس مشروعة ينبغي أن تُقابَل بالجدية لا بالتجاهل. والرد عليها يكون بمزيد من الدقة في الاستهداف، والشفافية في إعلان النتائج، والحرص على ألا يدفع المدنيون في جنوب سوريا ثمن جرائم لا يد لهم فيها. غير أن البديل، أي ترك الأوكار قائمة بانتظار الهجوم التالي، ليس حياداً ولا حكمة، بل تفريط في واجب الدولة الأول: حماية مواطنيها.
بين الكرك والجنوب السوري مسافة قصيرة على الخريطة، لكنها اختصرت درساً طويلاً: الإرهاب لا يعترف بالحدود، ومواجهته لا يمكن أن تعترف بها أيضاً.
لقد ردّ الأردن بقدر ما تقتضيه الضرورة، وبما يكفي ليعرف كل من يفكر بتكرار جريمة حمود أن الطريق إلى أرواح الأردنيين مغلق، وأن من يسلكه سيجد نفسه هدفاً أينما اختبأ. وسيبقى الأردن، كما كان دائماً، سنداً لأشقائه وجداراً في وجه الإرهاب في آن معاً؛ فلا تناقض بين أن يمدّ يده للشقيق، وأن يقطع اليد التي تمتد إليه بالغدر.








