تراجع متوقع للتضخم في الأردن إلى 2.2% خلال 2027.. لكن هل تُترجم التوقعات الاقتصادية إلى واقع ملموس؟

تراجع متوقع للتضخم في الأردن إلى 2.2% خلال 2027.. لكن هل تُترجم التوقعات الاقتصادية إلى واقع ملموس؟

عمّان – المنصة

تراجع متوقع للتضخم في الأردن إلى 2.2% خلال 2027.. لكن هل تُترجم التوقعات الاقتصادية إلى واقع ملموس؟

توقع تقرير أصدرته مؤسسة “فيتش سوليوشنز” تراجع معدل التضخم في الأردن خلال العام المقبل إلى 2.2%، بعد ارتفاعه المتوقع إلى 2.7% في عام 2026، مقارنة بنحو 1.8% في عام 2025. لكن قراءة هذا التقرير في سياقه الأوسع تكشف عن هشاشة أساسية في هذه التوقعات: إنها مرهونة بالكامل بعوامل خارجة عن سيطرة صانع القرار الأردني، وتحديداً بمسار حل أزمة مضيق هرمز الجيوسياسية، وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي – وكلاهما لا يملك الأردن أي أداة تأثير فعلية عليهما.

تحسن مرهون بمضيق هرمز.. فماذا لو استمرت الأزمة؟

بحسب التقرير، يرتبط التراجع المتوقع في التضخم خلال 2027 بانحسار الضغوط الناجمة عن اضطرابات سلاسل الإمداد والشحن، وتحسن حركة التجارة عبر مضيق هرمز، بما يخفف الضغط على أسعار السلع وتكاليف الاستيراد. وأشار التقرير إلى أن ارتفاع التضخم في 2026 يرتبط بشكل رئيس بارتفاع أسعار الغذاء (التي تشكل نحو 27% من سلة مؤشر أسعار المستهلك)، إلى جانب اضطرابات طرق الاستيراد الناجمة عن الأزمة ذاتها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يجيب عنه التقرير بشكل كافٍ: ماذا لو لم تتحسن الأوضاع الجيوسياسية في هرمز كما هو متوقع؟ فالتقرير نفسه يقرّ بأن ضعف المحاصيل أواخر 2025 سيُبقي تضخم الغذاء مرتفعاً خلال النصف الثاني من 2026 “بالتزامن مع استمرار التأثيرات الناجمة عن اضطرابات الملاحة عبر المضيق” – أي أن كامل السيناريو المتفائل لعام 2027 مبني على افتراض تحسّن أزمة إقليمية متقلبة وغير مضمونة التوقيت، لا على إصلاحات هيكلية داخلية فعلية في الاقتصاد الأردني نفسه.

خفض الفائدة الأميركي.. تفاؤل مستورد لا يملك الأردن زمامه

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، يربط التقرير أي تخفيف محتمل للسياسة النقدية الأردنية بمسار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، متوقعاً خفض الفائدة الأميركية بواقع 50 نقطة أساس خلال 2027. وهذا يعني عملياً أن استقلالية القرار النقدي الأردني محدودة إلى حد كبير، إذ يبقى البنك المركزي الأردني مقيَّداً بارتباط سعر صرف الدينار بالدولار، فيُضطر لمحاكاة قرارات واشنطن بدلاً من اتخاذ قرارات مستقلة تراعي الظروف المحلية الخاصة بالاقتصاد الأردني وحده.

رفع الفائدة محلياً 25 نقطة أساس.. فمن يتحمل الكلفة الفعلية؟

وفي مفارقة تستحق التوقف عندها، جاء هذا التقرير المتفائل بخفض الفائدة مستقبلاً بعد أيام قليلة فقط من قرار لجنة عمليات السوق المفتوحة في البنك المركزي الأردني رفع أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، اعتباراً من 21 أيلول الجاري – أي أن الواقع الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً للتوقعات الإيجابية المطروحة لعام 2027، ما يعني أن المواطنين والمقترضين سيتحملون كلفة إضافية فعلية اليوم، مقابل وعد بتحسن مؤجل لعام كامل على الأقل.

تعهد البنوك بعدم رفع الفائدة على القروض القائمة.. لكن ماذا عن القروض الجديدة؟

في محاولة لامتصاص الأثر الشعبي لقرار رفع الفائدة، أعلنت جمعية البنوك في الأردن أن البنوك لن تعكس هذه الزيادة على أسعار فائدة القروض القائمة فعلياً الممنوحة للأفراد، لتبقى أقساطها الشهرية دون زيادة. وهذه خطوة إيجابية ظاهرياً، لكنها تثير تساؤلاً واضحاً: ماذا عن المقترضين الجدد الذين سيلجؤون للتمويل خلال الفترة المقبلة؟ فالبيان لم يتطرق إلى هؤلاء، ما يعني أنهم سيتحملون الفائدة الجديدة الأعلى كاملة، رغم أن ارتفاع كلفة الأموال على البنوك، الذي استندت إليه الجمعية كسبب للقرار، ينطبق بالمنطق نفسه على جميع القروض وليس فقط القائمة منها – وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى استدامة هذا “التعهد” على المدى الطويل، وما إذا كان استثناءً مؤقتاً لتهدئة الرأي العام أكثر من كونه سياسة راسخة.

تضخم 2.20% حتى آب.. رقم مستقر، لكن أي غذاء يدفع ثمنه المواطن؟

أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن معدل التضخم للثمانية أشهر الأولى من 2026 بلغ 2.20% مقارنة بالفترة ذاتها من 2025، وهو رقم يوصف عادة بأنه “معتدل” على المستوى الكلي للاقتصاد. لكن هذا الرقم الإجمالي المعتدل يُخفي حقيقة أن الضغط الفعلي يتركز في بند واحد يشكل ربع سلة استهلاك الأسرة الأردنية تقريباً: الغذاء – وهو البند الأكثر إلحاحاً وحساسية بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود، والذي لا ينعكس تأثيره بشكل متساوٍ على جميع فئات المجتمع كما يوحي المتوسط العام للتضخم.

للموضوعية

تجدر الإشارة إلى أن اعتماد الاقتصاد الأردني على عوامل خارجية (كأسعار الطاقة العالمية ومسارات التجارة الإقليمية) ليس استثناءً أردنياً، بل سمة مشتركة لمعظم الاقتصادات الصغيرة المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، وخصوصاً تلك التي تفتقر لموارد طاقة ذاتية كافية. كما أن ربط سعر صرف الدينار بالدولار، وإن كان يحد من استقلالية السياسة النقدية، يُعد أيضاً عاملاً تاريخياً للاستقرار النقدي في الأردن، وقد أثبت نجاعته في الحد من تقلبات حادة كان يمكن أن يشهدها الاقتصاد لولا وجوده. ويبقى الحكم النهائي على مدى دقة توقعات “فيتش سوليوشنز” رهناً بالتطورات الفعلية لأزمة مضيق هرمز ومسار قرارات الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة، لا بالتوقعات النظرية وحدها.

Scroll to Top