بلغةٍ واحدة.. خطاب العرش وزيّ وليّ العهد.. الدولة الأردنية في وجه الإرهاب
بقلم | مصطفى الريالات
تحت قبّة مجلس الأمة، صباح الثاني من تشرين الثاني، تكلّم الأردن بلغة واحدة. الملك عبدالله الثاني يفتتح الدورة العادية الثالثة بخطاب العرش، وإلى جواره وليّ العهد الأمير الحسين بزيّ سلاح الجو الملكي، وعلى صدره شارة أجنحة الطيار.
لم تكن الصورة شيئاً والكلمة شيئاً آخر؛ كانتا وجهين لموقف واحد.

وليّ العهد بزيّ سلاح الجو الملكي خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة
قبل عشرة أيام، أطلق ثلاثة مسلحين النار على مشيّعين في كنيسة القديس جاورجيوس بقرية حمود في الكرك، فسقط تسعة شهداء وأُصيب أربعة وثلاثون. وبعد ثلاثة أيام، ضربت مقاتلات سلاح الجو في الجنوب السوري ضمن عملية «الردع الأردني – حمود».
وليّ العهد ضابط في هذا السلاح منذ الصيف، وطيار يحمل أجنحته منذ 2019؛ فزيّه لم يُستعر للمناسبة، بل جاء من موقع خدمته، في الصنف ذاته الذي حمل الرد.
وجاء الخطاب بالوضوح نفسه. افتتح الملك بالإرهاب قبل أي ملف آخر، وقال: «ولن نسمح للإرهابيين الخوارج بأن يمسّوا أمن هذا الوطن ووحدته، فهؤلاء ليسوا منا». كلمة «الخوارج» تنزع عن القتلة أي غطاء ديني، و«ليسوا منا» تُخرجهم من الجماعة الوطنية كلها.
وحين يكون الضحايا مسيحيين أردنيين قُتلوا في كنيستهم، فإنّ نفي الانتماء عن القاتل هو تثبيتٌ للانتماء الكامل للضحية، وقد ختمت دقيقة الصمت هذا المعنى.
«فهؤلاء ليسوا منا»
ولم يقف الخطاب عند الحسم الأمني. دعا الملك البرلمان إلى أن يكون رقيباً على الحكومة، ووجّه الحكومة إلى تسريع التحديث الاقتصادي وجعل الأمن المائي «أولوية وطنية»، وأكد للمواطنين أنّ «التداول بالشأن العام حق مشروع لكم يصونه الدستور ويحميه»، وأنه «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيّاً كان».
ثم ثبّت الموقف الإقليمي: «لا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه». المعادلة هنا واضحة: الصلابة في وجه الإرهاب لا تعني الانغلاق في الداخل، وهيبة الدولة لا تكتمل إلا بعدالتها.
في هذا الإطار، لم يكن زيّ وليّ العهد رسالة موازية للخطاب، بل جزءاً منه.
فهو يضع الأسرة الحاكمة في الصف الأول إلى جانب أهالي الكرك، ويقول لمن يختبر الأجواء الأردنية، بعد عام من الصواريخ والمسيّرات، إنّ القدرة على الرد قائمة ومُعلَنة. ويُذكّر بأنّ وليّ العهد ابن المؤسسة العسكرية بكل صنوفها، من المدرعات إلى القوات الخاصة فالطيران.
يبقى أنّ الحسم العسكري يحتاج إلى حكمة دبلوماسية توازيه، بعد أن نفت دمشق التنسيق وتحدثت عن ضحايا مدنيين؛ فأمن الحدود الشمالية يُبنى مع الجار لا في مواجهته.
لكنّ ما قيل يوم الثاني من تشرين الثاني لا يحتمل التأويل: الأردن يواجه الإرهاب بلغة واحدة، يقولها الملك بالكلمة، ويقف بها وليّ العهد في الصف، ويحملها الأردنيون جميعاً. بلدٌ صغير المساحة، كبير الدور، يقف منذ قرن على خط النار ولا يحترق.







