عملن – المنصة
المجلس الاقتصادي يمنح الأولوية لـ”دراسة أسباب البطالة” بعد ثلاثة عقود من ارتفاعها: ألا نعرف الأسباب بعد؟
أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بإعطاء الأولوية لدراسة أسباب البطالة ودور القطاع الخاص في التشغيل، والتركيز على العمالة الأردنية والعمل اللائق والأجور، من خلال دمج دراستين في دراسة موحدة تتناول التشغيل والبطالة بصورة متكاملة.
وجاءت التوصية في الاجتماع الثالث لهذا العام للجنة سياسات العمل، التي ناقشت أيضاً موضوعات مقترحة شملت العمل عبر المنصات الرقمية وجودة العمل ومحددات المشاركة الاقتصادية للمرأة وتوحيد المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بسوق العمل.
وشدد رئيس المجلس موسى شتيوي على توجيه الجهود البحثية نحو تحليل أسباب البطالة، فيما أكد مدير عام دائرة الإحصاءات العامة ورئيس اللجنة حيدر فريحات أهمية الاستفادة من نتائج التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026.
دراسة الأسباب خطوة مشروعة من حيث المبدأ. لكن أن تُمنح «أولوية» في خريف 2026، بعد ثلاثة عقود من بطالة مرتفعة وخطة اقتصادية تستهدف أكثر من مليون فرصة عمل بحلول 2033، يستدعي أسئلة عن الجديد الذي ستضيفه، وعن موعد صدورها، وعمّا سيتغير بعدها.

قبل خمس سنوات: التشخيص كان معلناً
ليس غياب التشخيص هو ما يعطّل معالجة البطالة. ففي مقال نشرته «الغد» في 15 كانون الأول 2021، وصف رئيس المجلس نفسه البطالة بأنها بقيت مرتفعة طيلة العقود الثلاثة الماضية، وعرض «أحجية» سوق العمل: بطالة مرتفعة إلى جانب نحو مليون عامل غير أردني، أي ما يقارب عاملاً غير أردني لكل متعطل أردني.
وعدّد أسباباً منها أن الاقتصاد لم ينمُ منذ عقود بأكثر من النمو الطبيعي للسكان، وأن غالبية المهن تقع في منشآت صغيرة ومتوسطة لا تجذب الأردنيين، وأن اندماج اللاجئين السوريين في سوق العمل زاد المنافسة على مهن الطبقة الوسطى. وخلص إلى أن البطالة أقرب إلى جائحة لا تعالجها سياسات التدخل في سوق العمل على قلتها.
وفي حزيران 2022 قال شتيوي في مقابلة تلفزيونية إن فرص العمل للأردنيين قلّت خلال السنوات العشر الأخيرة، وإن هناك تضخماً في أعداد خريجي الجامعات الطامحين لمهن الطبقة الوسطى، وإن التكوين المعرفي والتقني لدى الأردنيين أعلى مما يستوعبه الاقتصاد.
وفي أواخر 2025 قدّر منتدى الاستراتيجيات الأردني أن القوى العاملة غير الأردنية تبلغ نحو 1.42 مليون، مقابل نحو 313 ألف عامل غير أردني مسجل رسمياً لدى وزارة العمل، أي أن أكثر من مليون يعملون خارج الإطار الرسمي.


أسئلة عن الجديد المنتظر
إذا كان رئيس المجلس نفسه قد شخّص الأسباب علناً منذ كانون الأول 2021، فما الجديد الذي ستضيفه «دراسة أسباب البطالة» ويستحق أن يُمنح أولوية؟
أي دراستين تُدمجان؟ ولماذا لا يسمّيهما البيان ولا يذكر ما ستضيفه كل منهما؟
هل ستتجاوز الدراسة تقارير سبقتها، كتقرير منتدى الاستراتيجيات عن العمالة غير الأردنية خارج الإطار الرسمي، أم ستعيد إنتاج النتائج نفسها بغلاف جديد؟
وما مصير العمل عبر المنصات الرقمية ومشاركة المرأة وجودة العمل، وهي موضوعات نوقشت في الاجتماع نفسه: هل أُجّلت أم أُخرجت من الأولوية؟
ثلاثة أرقام للبطالة… والمجلس يريد «توحيد المفاهيم»
يلفت في جدول أعمال اللجنة بند «توحيد المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بسوق العمل»، وهو بند يكشف مشكلة قائمة: فالجمهور يسمع في الفترة نفسها ثلاثة أرقام للبطالة.
21% لبطالة الأردنيين في الربع الثاني من 2026 بحسب الإحصاءات العامة، و16.1% لإجمالي السكان بحسب تصريح مدير الإحصاءات نفسه، و18% في أرقام منظمة العمل الدولية لعام 2024 كما أوردها منتدى الاستراتيجيات، وهو الذي دعا إلى إعادة النظر في منهجية قراءة المعدل لأن الرقم العام، بحسبه، يخفي خللاً بنيوياً.
وتختلف الأرقام في الفئة والفترة، لكن القارئ العادي لا يملك دليلاً يميّز بينها.
أسئلة عن الأرقام والتعريفات
أي رقم هو معدل البطالة الذي ينبغي أن يُبنى عليه القرار: 21% أم 18% أم 16.1%؟ ولماذا يحتاج بلد يقيس البطالة منذ عقود إلى «توحيد المفاهيم» بعد كل هذه السنوات؟
هل سيُنتج المجلس تعريفاً موحداً يُلزم الوزارات والدوائر والتقارير الرسمية، أم ستبقى كل جهة تعلن رقمها بما يناسب خطابها؟
ولماذا تحتاج دراسة الأسباب إلى انتظار نتائج التعداد، ولدى الدائرة التي ترأس اللجنة مسوح قوى العمل الدورية منذ سنوات؟
دراسة تنتظر التعداد… ورؤية تنتظر نتائج
تقول الدائرة إن المرحلة النهائية من التعداد العام للسكان والمساكن مقررة مطلع تشرين الثاني، وإن النتائج متوقعة قبل نهاية العام. أي أن الدراسة، إن أرادت الاستفادة منها كما أوصى رئيس اللجنة، لن تنطلق عملياً قبل 2027. ويأتي ذلك والزمن يجري: فرؤية التحديث الاقتصادي تستهدف أكثر من مليون فرصة عمل بحلول 2033، أي نحو مئة ألف سنوياً، وقد بقي من عمرها سبع سنوات.
وكان شتيوي قد قال في آب، عند إطلاق دراسة المجلس عن محافظة معان التي وصفتها بأنها الأعلى بطالة، إن قيمة الدراسات لا تكمن في إعدادها بل في قدرتها على إنتاج سياسات قائمة على الأدلة وتحويل نتائجها إلى أدوات عملية.
أسئلة عن الزمن والأثر
متى تبدأ الدراسة ومتى تنتهي، ومن ينفذها وبأي ميزانية؟ ولماذا لا يتضمن البيان أي جدول زمني؟
إذا كانت الدراسة ستنتظر نتائج التعداد، فهل نقرأ توصياتها في 2027 أو بعدها، وقد بقي من عمر رؤية 2033 سبع سنوات تتناقص
كم من توصيات المجلس السابقة في سوق العمل تحولت إلى قرارات حكومية؟ وما الآلية التي تُلزم الحكومة بالرد على توصيات الدراسة المقبلة؟
وما الأدوات العملية التي ستخرج بها هذه الدراسة حتى لا تنضم إلى رفّ الدراسات التي لا يتغير بعدها شيء؟
خلاصة
لا عيب في الدراسة، لكن الأولوية الحقيقية ليست في أن نعرف الأسباب مرة أخرى، بل في أن يتحول ما هو معروف منها إلى قرارات: نمو يتجاوز نمو السكان، وتنظيم للعمالة خارج الإطار الرسمي، وتعليم يقترب من حاجة السوق، ووظائف يقبل عليها الأردنيون.
وإلى أن يُعلن جدول زمني وجهة تنفيذ ورد حكومي ملزم، سيبقى السؤال الذي يطرحه العنوان قائماً: إن كانت الأسباب معروفة منذ 2021، فهل الأولوية لدراستها… أم لمعالجتها؟








