عمّان – المنصة
الصحة تلغي مواعيد المرضى الجدد في البشير وحمزة.. حل جذري لأزمة الانتظار أم تأجيل للمشكلة بشكل مختلف؟
وجّه وزير الصحة إبراهيم البدور باستحداث عيادات لتقييم المرضى المحوّلين من المراكز الصحية في اليوم نفسه، في مستشفيي البشير والأمير حمزة، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى تقليص فترات الانتظار التي كانت تمتد لأشهر في بعض التخصصات.
لكن الإعلان عن هذا التحول الجذري في آلية العمل يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كان بالإمكان تقييم المرضى في اليوم نفسه بدلاً من مواعيد قد تمتد لأشهر، فما الذي كان يحول دون تطبيق هذا النظام سابقاً؟ وهل كانت أشهر الانتظار الطويلة التي عانى منها آلاف المرضى نتيجة عجز فعلي في الطاقة الاستيعابية، أم نتيجة سوء تنظيم إداري كان يمكن حله بقرار أبسط بكثير؟
“لن يكون هناك مواعيد للمرضى الجدد”.. فماذا عن المرضى الحاليين الذين ينتظرون أصلاً؟
أكد البدور أن النظام سيُطبَّق “كخطوة أولى” في مستشفيي البشير والأمير حمزة، مشدداً على أنه “لن يكون هناك مواعيد للمرضى الجدد” في عيادات المستشفيين. لكن هذا التصريح، رغم وضوحه بخصوص المرضى الجدد، لا يجيب بشكل مباشر عن مصير آلاف المرضى الذين يحملون بالفعل مواعيد مؤجلة لأشهر مقبلة ضمن النظام القديم.
صحيح أن التقرير يشير إلى أن العيادات الجديدة “ستتولى تقييم المرضى الذين لديهم مواعيد بعيدة… وإعادة تنظيم مواعيدهم وفقاً للحاجة الطبية”، لكن دون تفاصيل واضحة حول الجدول الزمني الفعلي لإعادة النظر في هذه المواعيد المتراكمة: هل سيُعاد جدولة هؤلاء المرضى خلال أسابيع، أم أن “إعادة التنظيم” ستستغرق هي الأخرى وقتاً طويلاً يعيد إنتاج المشكلة ذاتها بصيغة مختلفة؟
تخصصات محددة فقط.. فماذا عن بقية العيادات المكتظة؟
أوضح البدور أن العيادات الجديدة ستشمل تخصصات الجراحة والعظام، إلى جانب الباطنية والأطفال والنسائية. وبينما تُعد هذه التخصصات من الأكثر ازدحاماً عادة،
يبقى السؤال: ماذا عن التخصصات الأخرى التي لم تُذكر ضمن هذه المرحلة، والتي قد يعاني مرضاها أيضاً من انتظار طويل؟ ولماذا اقتصرت “الخطوة الأولى” على هذه التخصصات تحديداً دون توضيح آلية أو جدول زمني لتوسيعها لتشمل بقية العيادات ضمن المستشفيين نفسيهما، قبل الانتقال للحديث عن تعميمها على مستشفيات أخرى؟
من البشير وحمزة إلى “مستشفيات أخرى”.. متى بالضبط؟
أشار البدور إلى أن تطبيق النظام في البشير وحمزة يمثّل “المرحلة الأولى”، على أن يتبع ذلك تعميمه على مستشفيات أخرى تشهد اكتظاظاً وتأخراً مماثلاً.
لكن التصريح، كعادة الإعلانات الرسمية المرحلية، لم يتضمن جدولاً زمنياً محدداً لهذا التعميم، ولا معايير واضحة لاختيار المستشفيات التالية، ولا الموارد البشرية واللوجستية الإضافية (أطباء، ممرضون، غرف فحص) التي ستحتاجها هذه المستشفيات لتطبيق نظام “التقييم في اليوم نفسه” فعلياً دون أن يتحول إلى عبء إضافي يُنهك الكوادر الطبية الحالية أو يخلق اكتظاظاً جديداً من نوع آخر داخل العيادات ذاتها.
إعادة تنظيم مسار المرضى.. هل يعني ذلك تحميل المراكز الصحية عبئاً أكبر دون استعداد كافٍ؟
أوضح البدور أن الخطة تهدف إلى تعزيز التكامل بين المراكز الصحية والمستشفيات، بحيث تُعالَج الحالات القابلة للتعامل معها ضمن الرعاية الأولية داخل المراكز، فيما تُحال الحالات الأكثر تعقيداً إلى المستشفيات. وأشار إلى أن الوزارة تعمل بالتوازي على “إعادة تنظيم عمل المراكز الصحية المحيطة” و”تعزيز قدرتها على التشخيص والعلاج والمتابعة”.
لكن هذا يطرح سؤالاً عملياً مباشراً: هل جرى تعزيز هذه المراكز الصحية فعلياً (بالكوادر والتجهيزات) قبل تطبيق النظام الجديد، أم أن هذا “التعزيز” لا يزال في طور “العمل عليه” بالتوازي مع تطبيق نظام يعتمد أصلاً على كفاءة هذه المراكز في الفرز الأولي السليم للمرضى؟ فإن كانت المراكز الصحية نفسها غير جاهزة بالكامل بعد، فقد يتحول عبء “الفرز الخاطئ” إلى ضغط إضافي على عيادات التقييم الجديدة في البشير وحمزة، بدلاً من تخفيفه.
سؤال الشفافية: كيف سيُقاس نجاح هذه الخطوة أمام الرأي العام؟
اختُتم تصريح الوزير، كما هي العادة في إعلانات مشابهة، بعبارات عامة حول “تسريع الوصول إلى الخدمة” و”تحسين جودة الرعاية”، دون طرح مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس والمتابعة من الرأي العام: ما هو متوسط فترة الانتظار الحالية في كل تخصص من التخصصات المشمولة قبل تطبيق النظام الجديد؟ وما هو الهدف الرقمي المحدد الذي تسعى الوزارة لتحقيقه خلال الأشهر المقبلة؟ فبدون أرقام مقارنة واضحة (قبل وبعد)، سيصعب على المواطن والمراقبين الحكم لاحقاً على ما إذا كانت هذه الخطوة قد نجحت فعلاً في حل الأزمة، أم أنها ستبقى مجرد إعلان إداري آخر يُضاف إلى سلسلة إعلانات “تطوير القطاع الصحي” المتكررة.
للموضوعية
تجدر الإشارة إلى أن نظام “التقييم في اليوم نفسه” يُعد بحد ذاته نهجاً معمولاً به في أنظمة صحية عديدة حول العالم لتقليص الفرز البيروقراطي البطيء، وقد يمثل بالفعل تحسناً حقيقياً في تجربة المريض إن نُفذ بالموارد الكافية. كما أن تطبيقه أولاً في أكبر مستشفيين حكوميين (البشير والأمير حمزة)، واللذين يستقبلان أعداداً ضخمة من المراجعين يومياً، يُعد خياراً منطقياً لاختبار النظام قبل تعميمه، بدلاً من تطبيقه دفعة واحدة على كل المستشفيات وتحمّل مخاطر فشل واسع النطاق. ويبقى الحكم النهائي على نجاح هذه الخطوة رهناً بمتابعة تطبيقها الفعلي خلال الأسابيع المقبلة، ومدى التزام الوزارة بتوسيعها زمنياً كما وعدت، لا بمجرد الإعلان عنها كخبر إيجابي في هذه المرحلة الأولى.








