عمان – المنصة
الذكاء الاصطناعي و”نهاية البشرية”؟ مسؤول في إدارة ترامب يصف المحذّرين بـ”المهووسين بنظرية الهلاك”
تتصاعد وتيرة التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، وسط انقسام حاد داخل دوائر صنع القرار وقطاع التقنية حول مدى جدية هذه المخاوف، وما إذا كانت تحذيرات كبرى الشركات المطوِّرة للتقنية نفسها نابعة من قلق صادق أم من حسابات تجارية وتنظيمية.
عاموداي: يجب إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي عمداً
دعا الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، داريو عاموداي، أحد أبرز الفاعلين في سباق الذكاء الاصطناعي، إلى تباطؤ واعٍ في تطوير هذه التقنية، في مقال نشره على موقعه الإلكتروني السبت الماضي.
وحذّر عاموداي من أن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة قد تتجاوز قدرة البشر على ضبطه والسيطرة عليه، مؤكداً أن تطويره “يجب أن يمضي بحذر بالغ، إن لم يكن التوقف عنه بالكامل” في حال تُرك دون رقابة.
تحذير موظف سابق: قد ينهي الذكاء الاصطناعي البشرية بحلول نهاية العقد
جاءت دعوة عاموداي بعد أيام قليلة من تحذير أكثر تشاؤماً أطلقه جايكوب كوكسون، وهو مهندس سابق عمل في كل من “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، والذي قال إن العاملين في تطوير الذكاء الاصطناعي “يعتقدون بصدق أنه قد يقضي على البشرية جميعاً بحلول نهاية هذا العقد”، في تحذير نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي وحقق انتشاراً واسعاً.
ولم يوضح كوكسون، في حديثه لمذيع شبكة “سي إن إن” أندرسون كوبر، آلية محددة لكيفية تسبب الذكاء الاصطناعي بنهاية البشرية، إذ تتمحور الفرضية حول أن هذه التقنية تزداد ذكاءً باستمرار، وقد تصل قريباً لمرحلة تطوير نفسها ذاتياً، بما يمكّنها من التفوق على البشر وإطلاق مخاطر غير محددة، تتراوح بين اختراق أنظمة أسلحة نووية أو نشر فيروسات مدمرة أو تعطيل مجتمعي واسع.
وزارة الدفاع: الذكاء الاصطناعي لا يتخذ قرارات قاتلة
في المقابل، أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث أن “الذكاء الاصطناعي لا يتخذ قرارات مميتة” في الاستخدامات العسكرية للبنتاغون حالياً، رغم أن القانون لا يضع حدوداً صريحة على نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن ما يُعرف بـ”سلسلة القتل” العسكرية.
دعوات لتنظيم حكومي.. لكن بدوافع مختلطة
ضخّم عدد من جماعات المصلحة العامة والمشرّعين رسالة كوكسون، في وقت دعت فيه شركات كبرى مثل “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” الحكومة علناً إلى فرض تنظيم وأطر عمل تحد من وتيرة سباقها المحموم نحو الهيمنة على هذه التقنية – وهو سباق يتزامن مع سعيها في الوقت نفسه لطرح أسهمها للاكتتاب العام.
ووصف الصحفي التقني جايكوب وارد، المُعلّق لدى “سي إن إن”، هذا المشهد بأنه يعكس “مجموعة صغيرة وقوية من الشركات تتقدم متشابكة الأذرع نحو ما تصفه هي نفسها بأنه هاوية لا يمكنها إيقاف اندفاعها نحوها”، مضيفاً أن تحذيرات هذه الجهات، رغم أنها تجني أرباحاً ضخمة من هذه التقنية، لا ينبغي تجاهلها.
من بين المشرّعين الداعين لتحرك حكومي جاد، السيناتور بيرني ساندرز، الذي أعلن عن تشريع مقترح يحظر تطوير “الذكاء الفائق”، محذراً من أن شركات التقنية الكبرى “تفقد السيطرة على التقنية التي تطورها، بنتائج قد تكون كارثية”.
ديفيد ساكس: التحذيرات “مؤامرة” قد تكون مموّلة من الصين
في الجهة المقابلة، تبنّى المستثمر التقني ديفيد ساكس، الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس المشارك لمجلس مستشاري الرئيس ترامب للعلوم والتكنولوجيا، نهجاً مغايراً تماماً يدعو لسوق مفتوحة قائمة على المنافسة الحرة في مجال الذكاء الاصطناعي. وشكّك ساكس، في ظهور تلفزيوني، بدوافع كوكسون، مُلمّحاً إلى أن تحذيراته قد تكون جزءاً من مؤامرة لجماعات “مهووسة بنظرية الهلاك”، ربما بتمويل صيني، تهدف لإعاقة الابتكار الأميركي في هذا المجال.
وردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد، هذا التوجه خلال إحاطة صحفية في أيرلندا، قائلاً إن القلقين من التداعيات النهائية للذكاء الاصطناعي “يثيرون أموراً لن تحدث”، مؤكداً حرصه على تفوق الولايات المتحدة على الصين في هذا المضمار باعتباره معياراً حاسماً للفوز في هذا السباق التقني، مع إمكانية وضع “ضوابط حماية” بالتوازي.
“ازدواجية سوقية” أم رقابة ضرورية؟
اتهم ساكس شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى بالسعي لتنظيم حكومي يمنحها هي تحديداً السيطرة الفعلية على القطاع، واصفاً الوضع بـ”ازدواجية سوقية في الحدود التقنية”، مجادلاً بأن المسؤولين الحكوميين، لعدم معرفتهم الكافية بكيفية تنظيم هذه التقنية، سيلجؤون حتماً للشركات الرائدة (وفي مقدمتها “أنثروبيك”) لوضع معايير التنظيم بأنفسها – وهو ما اعتبره امتداداً لسعيها نحو الهيمنة السوقية بدلاً من قلق حقيقي على سلامة البشرية.
ورأى ساكس أن الخطر الحقيقي يكمن في تركّز السلطة على الذكاء الاصطناعي بيد عدد محدود من الجهات، داعياً إلى إبقاء الابتكار “لا مركزياً ومتاحاً للجميع” كضمانة أساسية لتفادي مستقبل غير آمن يهيمن عليه القلة.
سياق أوسع: صراع بين حماية البشرية ومنافسة الصين
ينسجم هذا التوجه مع مساعي إدارة ترامب لمنع الولايات المتحدة من فرض تنظيمات محلية (كما في ولاية كاليفورنيا) على الذكاء الاصطناعي في ظل غياب تشريع فيدرالي شامل، بعد أن فشلت محاولات حظر التنظيمات الولائية في الكونغرس العام الماضي، ليوقّع ترامب لاحقاً أمراً تنفيذياً لتحقيق الغاية ذاتها.
وتنظر الإدارة الأميركية حتى الآن إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي كجزء من سباق تنافسي مع الصين أكثر من كونه جهداً لحماية البشرية، إذ سبق أن حظرت تصدير بعض رقائق “إنفيديا” إلى الصين، أو أجّلت مؤقتاً إطلاق بعض المنتجات لتقييم تأثيرها على الأمن القومي.
بين الخطر الوجودي وقلق “الجار”: ما الذي يحرّك الناخب الأميركي فعلاً؟
ورغم أن أخطر التحذيرات بشأن الذكاء الاصطناعي تتعلق بنهاية البشرية، فإن ما يحرّك الناخبين الأميركيين فعلياً يبدو أقرب إلى قلق يومي ملموس أكثر من كونه خوفاً وجودياً بعيد المدى؛ إذ يشعر كثير من الأميركيين بالانزعاج من مراكز البيانات الضخمة التي تغذي هذه التقنية، وتأثيرها على جودة المياه وارتفاع فواتير الطاقة والتهام الأراضي الزراعية.
وقد تحوّلت المعارضة الشعبية لمشاريع الإنشاء الضخمة هذه إلى أبرز قصة سياسية هذا الصيف، متجاوزة الانقسامات الحزبية التقليدية، رغم أنها تثير حيرة صناع قرار مثل ترامب الذين يرون فيها فرصاً استثمارية بالدرجة الأولى.








