عمّان – المنصة
البلبيسي: 92% إنجاز و78 مخرجاً تنفيذياً.. لكن أين الأثر الفعلي على جيب المواطن واقتصاده اليومي؟
قالت وزيرة دولة لتطوير القطاع العام، بدرية البلبيسي، إن الحكومة تتجه إلى قياس أثر مشاريع تحديث القطاع العام على المواطن والمؤسسة والموظف، مؤكدة أن معرفة نتائج ما تم إنجازه لا تقل أهمية عن قياس حجم الإنجاز نفسه.
لكن هذا التصريح، رغم وجاهته الظاهرية، يحمل اعترافاً ضمنياً مهماً: إذا كانت الحكومة “تتجه” الآن فقط نحو قياس الأثر الفعلي، فماذا كانت تقيس طوال الفترة السابقة؟ وهل يعني ذلك أن الأرقام التي احتفت بها الحكومة سابقاً (كنسبة الـ92%) كانت مجرد مؤشرات على “تنفيذ الأنشطة”، لا على “الأثر الحقيقي” الذي شعر به المواطن في حياته اليومية؟
92% إنجاز.. لكن إنجاز ماذا بالضبط؟
جاءت تصريحات البلبيسي تعقيباً على تقرير تقدّم سير العمل في البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام للنصف الأول من عام 2026، الذي أظهر إنجاز 92% من مستهدفات الفترة، بتحقيق 78 مخرجاً تنفيذياً من أصل 85 مخرجاً كان مخططاً تحقيقها.
وهذا الرقم، على أهميته الإدارية، يبقى رقماً “داخلياً” يقيس مدى التزام الحكومة بجدولها الزمني الخاص بها، لا مدى تحسّن حياة المواطن الفعلية. فهل تتحدث نسبة الـ92% عن مشاريع أُنجزت فعلياً على الأرض بأثر ملموس، أم عن “مخرجات” و”مؤشرات” و”أطر عمل” ورقية يسهل تحقيقها إحصائياً دون أن يشعر بها أحد خارج أروقة الوزارات؟
“ما لا يقاس لا يدار”.. فلماذا لم يكن هذا المبدأ حاضراً من البداية؟
قالت البلبيسي إن إطلاق المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام يُعد من أهم الممكنات التي عملت عليها الحكومة، انطلاقاً من مبدأ “ما لا يقاس لا يدار”.
هذا المبدأ صحيح ومنطقي، لكنه يطرح سؤالاً لاذعاً: إذا كانت الحكومة تدرك هذا المبدأ الإداري الأساسي، فلماذا لم يُطبَّق منذ انطلاق البرنامج التنفيذي الأول أو منذ بداية هذا البرنامج الثاني نفسه؟ ولماذا يأتي الإعلان عن “قياس الأثر” كخطوة لاحقة ومتأخرة، بدلاً من أن يكون جزءاً أصيلاً من تصميم المشاريع منذ يومها الأول؟
وأضافت البلبيسي أن المؤشر الوطني يتضمن 38 مؤشراً فرعياً، أُطلق منها 14 فقط خلال الأشهر الستة الأولى من العام – أي أن أقل من 37% من هذه المؤشرات فعلياً قيد التشغيل حتى الآن، بينما لا تزال الغالبية العظمى (24 مؤشراً) لم تُطلق بعد.
فكيف يمكن الحديث بثقة عن “إنجاز 92%” من المستهدفات في وقت لا تزال فيه أدوات قياس الأثر الحقيقي نفسها غير مكتملة؟
رقمنة الخدمات.. لكن هل الرقمنة وحدها تعني أثراً اقتصادياً؟
كشف التقرير عن وصول إجمالي الخدمات الحكومية الرقمية إلى 2060 خدمة، بعد رقمنة 104 خدمات جديدة، ووصول مستوى نضج الخدمات الرقمية إلى 71%، مع تفعيل 2.8 مليون هوية رقمية.
هذه أرقام تقنية مثيرة للإعجاب على الورق، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بجوهر ما طُلب في هذا التحليل: هل رقمنة خدمة ما، أي تحويلها من نموذج ورقي إلى نموذج إلكتروني، تعني بالضرورة “أثراً اقتصادياً” ملموساً على المواطن (كتوفير وقت أو مال أو تحسين فرص عمل)، أم أنها مجرد تحسين في “شكل” تقديم الخدمة دون تغيير جوهري في “قيمتها” الاقتصادية الفعلية؟ فرقمنة معاملة كانت تستغرق يوماً لتصبح تستغرق 10 دقائق (كما ورد في أخبار متفرقة هذا الأسبوع عن معبر جابر) هي بالتأكيد تحسين حقيقي وملموس، لكن هل تنطبق هذه المعادلة على جميع الخدمات الـ104 المرقمنة حديثاً، أم أن بعضها مجرد “واجهة إلكترونية” لعملية بيروقراطية لم تتغير في جوهرها؟
الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية.. إنجاز مؤسسي، فماذا عن الموظف الحالي؟
اعتبرت البلبيسي إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية أحد أهم إنجازات النصف الأول من العام، بصفتها إعادة تعريف لمنظومة بناء القدرات الحكومية.
لكن إنشاء أكاديمية جديدة يستهدف الأجيال القادمة من القيادات الحكومية، بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للموظف الحكومي الحالي: متى سينعكس “إطار الكفايات” الجديد الذي تتحدث عنه الوزيرة على واقع تقييم الموظف الحالي فعلياً؟ وهل ستتغير معايير الترقية والحوافز فوراً، أم أن الانتقال من “الإدارة التقليدية” إلى “الإدارة القائمة على الكفايات” سيبقى حبراً على ورق لسنوات قبل أن يطال الموظف العادي في الوزارات والدوائر؟
16 مركز خدمات حكومية.. فماذا عن بقية المكاتب المنتشرة في المملكة؟
أكدت البلبيسي الانتهاء من جميع مراكز الخدمات الحكومية الـ16 المقررة ضمن خارطة التحديث، مشيرة إلى أن العمل يتجه الآن لتقييم “بقية مكاتب تقديم الخدمات” لتحديد الحاجة لإعادة توزيعها.
وهذا يعني عملياً أن الغالبية العظمى من نقاط تقديم الخدمة للمواطنين، خارج هذه المراكز الـ16 النموذجية، لا تزال تعمل بالنمط القديم نفسه، في انتظار “تقييم” لم يبدأ بعد بشكل ملموس. فمتى سيصل تحسين الخدمة فعلياً إلى المواطن الذي يراجع مكتباً حكومياً عادياً في محافظة نائية، لا إلى زائر أحد المراكز النموذجية الـ16 فقط؟
السؤال الأكبر: هل هذا تحديث اقتصادي حقيقي أم رقمنة إدارية بحتة؟
في نهاية المطاف، يعيد هذا التقرير طرح سؤال جوهري لم يُجب عنه بشكل مباشر: هل يُترجم “تحديث القطاع العام” فعلياً إلى أثر اقتصادي ملموس (كخلق فرص عمل، أو تخفيض كلف المعاملات على المواطن والمستثمر، أو تحسين بيئة الأعمال بشكل يُقاس بمؤشرات دولية معترف بها)، أم أنه يبقى بمعظمه مشروعاً لتحديث “الشكل الإداري والتقني” للحكومة (رقمنة، أتمتة، هياكل جديدة) دون أن يترجم بالضرورة إلى نمو اقتصادي أو تحسن معيشي فعلي يشعر به المواطن في محفظته؟ فالتقرير نفسه يقرّ بأن “الأهم من معرفة ما تم إنجازه هو معرفة نتيجة هذا الإنجاز وأثره” – وهذا اعتراف بأن الإجابة على هذا السؤال بالذات لا تزال غائبة حتى تاريخه.
للموضوعية
تجدر الإشارة إلى أن بناء منظومات القياس والمؤشرات الوطنية (كالمؤشر الوطني لتحديث القطاع العام بمكوناته الـ38) يُعد عادة خطوة تأسيسية ضرورية ومسبقة لأي قياس أثر موثوق لاحقاً، ولا يمكن تحقيق قياس دقيق للأثر الاقتصادي دون توفر هذه الأدوات أولاً – أي أن تسلسل “بناء الأدوات ثم قياس الأثر” الذي تتبعه الحكومة قد يكون منهجياً وسليماً من الناحية الإدارية، لا تناقضاً بالضرورة.
كما أن مشاريع تحديث القطاع العام في معظم دول العالم تحتاج عادة سنوات لتظهر أثرها الاقتصادي الكلي بشكل قابل للقياس الإحصائي الموثوق، ولا يمكن الحكم على نجاحها أو فشلها بعد نصف عام واحد فقط من التنفيذ. ويبقى الحكم النهائي رهناً بما ستُظهره نتائج المؤشر الوطني فعلياً خلال الأشهر المقبلة، عندما يكتمل إطلاق مؤشراته الـ38 كافة.







