...

إلزام تجار الخضار بالسوق المركزي.. تنظيم فعلي أم احتكار جديد لرفع الأسعار؟

إلزام تجار الخضار بالسوق المركزي.. تنظيم فعلي أم احتكار جديد لرفع الأسعار؟

عمّان – المنصة

إلزام تجار الخضار بالسوق المركزي.. تنظيم فعلي أم احتكار جديد لرفع الأسعار؟

أقرّت أمانة عمّان الكبرى تعليمات تحظر بيع وتداول المنتجات البستانية خارج سوق عمّان المركزي للخضار والفواكه أو المنصة الإلكترونية المعتمدة، استناداً إلى نظام أسواق الجملة رقم 20 لسنة 2025.

وبينما تُقدَّم هذه الخطوة رسمياً بصفتها إجراءً تنظيمياً لضبط حركة الخضار والفواكه، يطرح القرار سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل يخدم إجبار جميع تجار الخضار والفواكه على المرور حصرياً عبر منفذ واحد مصلحة المستهلك فعلاً، أم أنه يعيد إنتاج احتكار مركزي قد ينعكس لاحقاً ارتفاعاً في أسعار الخضروات والفواكه على مائدة المواطن؟

حظر شامل.. فماذا عن المزارعين الصغار والمناطق البعيدة عن السوق المركزي؟

تنظم التعليمات عمليات بيع وشراء وتخزين ونقل وتداول المنتجات البستانية داخل حدود الأمانة، بحيث يُحظر بيع أو تداول أي منتج بستاني ما لم يكن مورَّداً أصولياً عبر السوق المركزي أو المنصة الإلكترونية المعتمدة، مع إلزام الحصول على سندات إخراج وبيانات شحن وتخزين أصولية. هذا الحظر الشامل يثير قلقاً مشروعاً لدى فئة لم يُذكر رأيها في البيان الرسمي إطلاقاً: المزارعون الصغار في المناطق الطرفية.

فهل يُعقل أن يُلزَم مزارع في منطقة بعيدة عن العاصمة بنقل محصوله بالكامل عبر مسافات وكلف إضافية إلى السوق المركزي فقط، بدلاً من إتاحة قنوات بيع مباشرة قد تكون أقرب وأقل كلفة له وللمستهلك على حد سواء؟ وهل جرى تقييم الأثر الاقتصادي لهذا الحظر على صغار المنتجين قبل إقراره؟

تفتيش ورقابة مكثفة.. أعباء إضافية أم مكافحة فعلية للفوضى؟

تُخضع التعليمات المركبات والمنشآت المتعاملة بالمنتجات البستانية لإجراءات تفتيش ورقابة والتحقق من مصادر المنتجات وكمياتها ومطابقتها للوثائق الرسمية. صحيح أن هذا قد يُسهم في مكافحة التهريب والتلاعب بالأسعار، لكنه يفرض في المقابل منظومة بيروقراطية إضافية على تجار ومزارعين يعملون أصلاً في قطاع هامش ربحه ضيق وحساس للتقلبات اليومية.

فهل قُدِّرت الكلفة الزمنية والمالية لهذه الإجراءات الرقابية الجديدة على صغار التجار، أم أن التشريع صُمم من منظور رقابي بحت دون مراعاة القدرة العملية لصغار الفاعلين في السوق على الامتثال لها؟

استثناءات “سريعة التلف”.. من يقرر؟ وعلى أي أساس؟

سمحت الأمانة باستثناء المنتجات البستانية سريعة التلف أو المعدّة للتصنيع الغذائي من شرط البيع داخل السوق المركزي، لكن هذا الاستثناء مشروط بموافقة “اللجنة” بناءً على طلب خطي، وتحديد الكميات والمدة والجهة المستفيدة، مع صلاحية اللجنة نفسها في إلغاء الاستثناء متى شاءت.

هذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول الشفافية والمعايير: من هي هذه اللجنة؟ وما المعايير الواضحة والمعلنة التي تحدد من يستحق الاستثناء ومن لا يستحقه؟ فمنح جهة إدارية سلطة تقديرية واسعة لتحديد من يُعفى من قيد قانوني عام، دون معايير موضوعية منشورة مسبقاً، يفتح الباب أمام تساؤلات حول احتمالية التمييز أو المحسوبية بين التجار، خصوصاً أن الاستثناء “لا يترتب عليه أي إعفاء من الرسوم المقررة” أصلاً – أي أن حتى المُستثنى لا يزال مُكلَّفاً مالياً، فما الفائدة العملية الحقيقية من الاستثناء لمن يحصل عليه إن لم يكن إعفاءً مالياً أو إجرائياً حقيقياً يستحق عناء تقديم الطلب؟

“تعزيز الرقابة والتوثيق”.. عبارات عامة تفتقر لمؤشرات قياس واضحة

أكدت أمانة عمّان أن هذه التعليمات تهدف إلى تعزيز الرقابة والحد من عمليات التداول غير الموثقة، وهي أهداف مشروعة نظرياً. لكن البيان، كعادة البيانات التنظيمية المماثلة، لم يتضمن أي مؤشرات واضحة لقياس نجاح هذا الإجراء لاحقاً: هل ستُنشر تقارير دورية عن نسبة الالتزام الفعلي بالتعليمات؟ وهل سيُقاس أثر هذا القرار على أسعار الخضار والفواكه للمستهلك النهائي خلال الأشهر المقبلة، للتأكد من أن “التنظيم” لم يتحول إلى عبء إضافي يُترجم ارتفاعاً في الأسعار بدلاً من ضبطها؟

سؤال الاحتكار الذي لا يمكن تجاهله

في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن النوايا التنظيمية المعلنة، فإن حصر تداول جميع المنتجات البستانية عبر منفذ واحد (السوق المركزي أو منصته الإلكترونية) يخلق بحكم الواقع بنية شبه احتكارية لقناة التوزيع الرئيسة للخضار والفواكه في العاصمة. وأي بنية احتكارية، مهما حسنت نواياها التنظيمية، تحمل مخاطر معروفة اقتصادياً: تركّز القوة التفاوضية بيد عدد محدود من الفاعلين داخل السوق المركزي، واحتمال ارتفاع الرسوم والعمولات على المدى الطويل نظراً لغياب البدائل التنافسية المشروعة خارج هذا الإطار.

فهل درست الأمانة هذا البعد الاقتصادي تحديداً قبل إقرار الحظر الشامل، أم اقتصر التركيز على الجانب الرقابي والتوثيقي فقط؟

للموضوعية

تجدر الإشارة إلى أن تنظيم أسواق الجملة عبر منفذ مركزي معتمد هو ممارسة معمول بها في مدن كبرى عديدة حول العالم، وتهدف عادة إلى ضمان معايير الجودة والسلامة الغذائية، وتسهيل تتبع مصدر المنتجات في حالات الأزمات الصحية أو الغذائية، ومكافحة التهرب من الرسوم والضرائب المستحقة على حركة البيع بالجملة.

كما أن وجود آلية استثناء رسمية للمنتجات سريعة التلف، وإن كانت غير مفصلة المعايير في البيان، تُظهر إدراكاً من الأمانة لضرورة المرونة في تطبيق النظام على بعض الحالات الخاصة. ويبقى الحكم الفعلي على نجاح هذا الإجراء، وما إذا كان سيصب في مصلحة تنظيم السوق أم سيرهقه، رهناً بمراقبة تطبيقه الفعلي على أرض الواقع خلال الأشهر المقبلة، ومدى انعكاسه على أسعار الخضار والفواكه التي يشتريها المواطن يومياً.

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.