عمّان – المنصة
إنجازات “التربية” بالأرقام.. لكن هل تعكس واقع الصفوف والمعلمين والمناهج الفعلي؟
نشرت وزارة التربية والتعليم حصيلة موسّعة لإنجازاتها خلال النصف الأول من عام 2026، في إطار ما وصفته بترجمة رؤية التحديث الاقتصادي إلى واقع تعليمي ملموس.
لكن هذا الكم الهائل من الأرقام والمشاريع – من مدارس جديدة إلى منصات رقمية ودبلومات مهنية – يطرح سؤالاً جوهرياً يتكرر مع كل تقرير حكومي مماثل: هل تُترجم هذه الإحصاءات فعلياً إلى تحسّن ملموس في تجربة الطالب اليومية داخل الصف، أم أنها حصيلة إدارية مصممة للاستهلاك الإعلامي أكثر من كونها انعكاساً لواقع التعليم كما يعيشه المعلمون والطلبة وأولياء الأمور؟
48 مشروعاً و27 مدرسة جديدة.. فهل حُلّت أزمة الاكتظاظ فعلاً؟
أعلنت الوزارة إنشاء 48 مشروعاً ضمّت 27 مدرسة جديدة بواقع 492 غرفة صفية و35 غرفة لرياض الأطفال، إضافة إلى 21 مشروع إضافات وفّرت 111 غرفة صفية أخرى، إلى جانب صيانة وتأهيل 340 مدرسة و7 مبانٍ إدارية.
هذه أرقام كبيرة على الورق، لكنها تبقى بلا سياق واضح: كم يبلغ العجز الفعلي المتبقي في الغرف الصفية على مستوى المملكة؟ وهل ما زالت هناك مدارس تعمل بنظام الفترتين (الصباحية والمسائية) نتيجة الاكتظاظ، وكم عددها بعد هذه الإضافات؟ فبدون هذا الرقم المقارن، يصعب الحكم على ما إذا كانت هذه المشاريع، رغم أهميتها، قد عالجت المشكلة الجذرية أم لا تزال بعيدة عن سد الفجوة الفعلية بين أعداد الطلبة والغرف الصفية المتاحة، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والمخيمات.
3000 معلم بدبلوم مهني.. لكن ماذا عن نقص أعداد المعلمين أصلاً؟
أشار التقرير إلى التحاق 3000 معلم ومعلمة بالدبلوم المهني أثناء الخدمة، و375 مشاركاً بدبلوم القيادة التعليمية. تطوير كفاءة المعلمين هدف مشروع بلا شك، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يتردد سنوياً من أولياء الأمور والمعلمين أنفسهم يبقى غائباً عن التقرير: هل تعاني المدارس الحكومية من نقص فعلي في أعداد المعلمين في بعض التخصصات والمناطق؟ وهل انعكس هذا النقص، إن وُجد، على زيادة أعداد الطلبة داخل الشعبة الواحدة؟ فالتدريب على “الجودة” لا يعالج بالضرورة مشكلة “الكم” إن كانت قائمة.
علاوات وسلف وترقيات.. تحسين مادي، فماذا عن العبء التدريسي اليومي؟
استفاد آلاف المعلمين من سلف السكن والتعليم والسلف الطارئة وقروض صندوق إسكان المعلمين، إلى جانب ترقية 2116 معلماً وإدارياً واستفادة 97,385 معلماً من علاوة التعليم.
هذه الحوافز المالية مهمة لتحسين استقرار المعلم المعيشي، لكنها لا تُجيب عن سؤال مختلف تماماً يتعلق بجودة العملية التعليمية نفسها: هل انخفض العبء التدريسي اليومي على المعلم (عدد الحصص، عدد الطلبة في الشعبة، الأعمال الإدارية الإضافية)؟ وهل تحسّنت بيئة العمل داخل الصف بما يواكب هذه الحوافز المالية؟ فرضا المعلم الوظيفي والمادي لا يُقاس فقط بالسلف والعلاوات، بل بظروف العمل اليومية التي لم يتطرق إليها التقرير.
تحول رقمي طموح.. فهل تصل هذه الخدمات فعلياً لكل مدرسة؟
تحدث التقرير عن إطلاق خدمات جديدة عبر منصة “أجيال”، وتطوير منصة “درسك” لتصل إلى 22,053 فيديو تعليمياً، وتوقيع اتفاقية لتوفير الإنترنت اللاسلكي في 1500 مدرسة حكومية خلال الأعوام 2026-2029، على أن تبدأ المرحلة الأولى بـ252 مدرسة فقط.
هذا يعني أن الغالبية العظمى من المدارس الحكومية (التي يتجاوز عددها 3500 مدرسة بحسب مشروع الربط والحماية الإلكترونية المذكور في التقرير نفسه) لن تحصل على خدمة الإنترنت هذه إلا بعد سنوات، ما يطرح سؤالاً حول مدى واقعية طموح “التحول الرقمي الشامل” في ظل هذا التفاوت الزمني الكبير بين المدارس المشمولة بالمرحلة الأولى وبقية مدارس المملكة.
فهل ستبقى مدارس الأطراف والمناطق الأقل حظاً تنتظر دورها لسنوات، بينما تحصل مدارس أخرى على الخدمة فوراً؟
1500 مدرسة مستهدفة للإنترنت اللاسلكي حتى 2029، لكن المرحلة الأولى تشمل 252 مدرسة فقط من أصل أكثر من 3500 مدرسة حكومية.. فمتى يصل الدور لبقية المدارس؟
اختبارات وطنية بمشاركة واسعة.. فأين نتائجها الفعلية؟
نفذت الوزارة اختبارات تقييمية واسعة، من الدراسة الدولية للقرائية (PIRLS) بمشاركة 7762 طالباً، إلى الاختبار الوطني لضبط نوعية التعليم لنحو 163 ألف طالب، والاختبار التقييمي للصف الثالث الأساسي لنحو 183 ألف طالب.
لكن التقرير اكتفى بذكر أعداد المشاركين في الاختبارات، دون الإشارة إلى نتائجها الفعلية أو مستويات التحصيل التي كشفت عنها – وهي بالضبط المعلومة التي تهمّ أولياء الأمور والرأي العام لمعرفة المستوى الحقيقي للتعليم في المدارس الحكومية.
فهل تحسّنت نتائج الطلبة مقارنة بالأعوام السابقة، أم أن هذه الاختبارات كشفت عن فجوات تعليمية لم يُفصح عنها التقرير؟
النقل المدرسي للبادية الجنوبية.. لماذا يبدأ فقط الآن ولمنطقة واحدة؟
أعلنت الوزارة إطلاق المرحلة الأولى من مشروع النقل المدرسي بالشراكة مع القطاع الخاص، ليستفيد منه 9089 طالباً و849 موظفاً في 61 مدرسة بمناطق البادية الجنوبية فقط، على أن يبدأ التنفيذ مع مطلع العام الدراسي المقبل.
وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: ماذا عن الطلبة في مناطق نائية أخرى يعانون أصلاً من صعوبة الوصول إلى مدارسهم؟ ولماذا اقتصرت المرحلة الأولى على منطقة واحدة فقط رغم أن مشكلة النقل المدرسي وانتظام الطلبة تشمل مناطق متعددة من المملكة؟
تعليم دامج بأرقام متقدمة.. فهل تغطي الاحتياج الفعلي لذوي الإعاقة؟
استحدثت الوزارة 9 غرف لذوي الإعاقة الذهنية، وهيأت 41 مدرسة إضافية ليصل الإجمالي إلى 1561 مدرسة مهيأة، وزوّدت المدارس بـ200 معلم مساند إضافي.
لكن بالنظر إلى أن عدد المدارس الحكومية الإجمالي يتجاوز 3500 مدرسة، فإن أقل من نصف المدارس فقط مهيأة حتى الآن لاستقبال ذوي الإعاقة – وهو رقم يستحق توضيحاً أوضح حول الجدول الزمني المتوقع لتعميم هذا التهيؤ على جميع المدارس، بدلاً من الاكتفاء بذكر الأرقام التراكمية دون مقارنتها بحجم الاحتياج الكلي.
أسئلة مشروعة يستحقها المواطن
في ضوء هذا الكم من الإنجازات المعلنة، يبقى عدد من الأسئلة الجوهرية بلا إجابة واضحة في التقرير الرسمي:
• هل انخفض متوسط عدد الطلبة في الشعبة الواحدة فعلياً، أم أن أعداد المدارس والغرف الجديدة بالكاد واكبت النمو السكاني الطبيعي؟
• ما هي النتائج الفعلية للاختبارات الوطنية والدولية التي شارك فيها عشرات الآلاف من الطلبة، وهل تُظهر تحسناً حقيقياً في مستوى التحصيل العلمي؟
• متى سيشعر طالب في مدرسة نائية أو مكتظة بأثر ملموس لهذه المشاريع، لا طالب في مدرسة نموذجية أو مشمولة بمرحلة تجريبية أولى فقط؟
• هل تُقاس هذه “الإنجازات” بمعايير مقارنة واضحة (كالمقارنة مع العام السابق أو مع المعدل الإقليمي)، أم أنها تُعرض كأرقام مطلقة يصعب الحكم على دلالتها الفعلية دون سياق؟
للموضوعية
تجدر الإشارة إلى أن تحسين المنظومة التعليمية في أي بلد عملية تراكمية طويلة الأمد، ولا يمكن الحكم على أثرها الكامل خلال نصف عام واحد.
كما أن حجم المشاريع المعلنة (من البنية التحتية إلى التحول الرقمي والتعليم الدامج) يعكس فعلاً نشاطاً متعدد المحاور ضمن خطة استراتيجية معتمدة رسمياً (2026-2030)، وهو ما قد يشير إلى جدية التوجه نحو الإصلاح التعليمي الشامل، حتى لو لم تظهر نتائجه الكاملة بعد.
ويبقى الحكم النهائي على نجاح هذه الجهود رهناً بمؤشرات أداء تعليمية واضحة وقابلة للمقارنة على المدى المتوسط والطويل، لا بعدد المشاريع أو المستفيدين المعلن عنهم فقط.








