الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها من يتحمل المسؤولية؟

الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها من يتحمل المسؤولية؟

عمان – المنصة

الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها من يتحمل المسؤولية؟

كشفت وزارة الأشغال العامة والإسكان عن رقم لافت: 535 عينة غير مطابقة للمواصفات من أصل 2289 عينة فُحصت في مشاريع الطرق والأبنية خلال عام 2025، بنسبة تجاوزت 23%. رقم يطرح سؤالاً مشروعاً لا يجيب عنه البيان الرسمي: إذا كان هذا ما اكتُشف، فماذا مرّ دون رقابة؟ ولماذا تتهالك طرق لم يمرّ على تعبيدها عام واحد؟

الأرقام في نظرة واحدة

الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها

المشهد الميداني: طرق تتصدع قبل أن تجف

تتكرر الشكاوى في كل محافظة: طريق يُعبَّد في الشتاء فيختفي معظمه في الربيع، وآخر يُرمَّم ثلاث مرات في عام واحد. وبينما تتحدث الوزارة عن منظومة رقابية متكاملة، يتساءل المواطن: أين كانت هذه المنظومة حين مُدّت تلك الطرق؟

أسباب الخراب: ستة عوامل تتضافر

الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها

الطرق الأردنية تتآكل قبل أوانها

أولاً: عيوب المواد — الجرح الأعمق
يبدأ الخراب قبل أن تمسّ آلة الدك الأسفلت. فالخلطات الإسفلتية الرديئة، سواء أكانت بتلاعب متعمد في نسب المكونات أم بغش في مواصفات المواد الأولية، تُنتج طبقة سطحية هشّة لا تصمد أمام أول موجة حرارة أو أمطار. وتكشف نسبة 23.4% من العينات غير المطابقة أن هذه الإشكالية ليست استثناءً بل نمطاً متكرراً.

والأخطر في المعادلة أن نظام العطاءات القائم على “أدنى سعر” يدفع المقاولين دفعاً نحو التوفير في المواد، إذ لا هامش ربح يُبقي على الجودة حين يُقدَّم العطاء بأقل سعر ممكن.

ثانياً: عيوب التنفيذ — ما لا تراه الأرقام
حتى حين تكون المواد مطابقة، قد يُفسد التنفيذ كل شيء. فالدك غير الكافي لطبقات الأسفلت يترك فراغات هوائية تتسع مع الحرارة وتنهار تحت ثقل الشاحنات. والتعبيد في درجات حرارة منخفضة أو أثناء المطر يمنع التلاحم الصحيح بين الطبقات.

ويزيد الأمر تعقيداً ظاهرة باتت ثقافة راسخة: تُعبَّد الطرق اليوم، وغداً تحفرها شركات المياه أو الاتصالات أو الكهرباء لإجراء صيانة أو مدّ شبكة جديدة، ثم تُردم الحفرة بطريقة مغايرة لما حولها، فتبدأ دورة التآكل.

ثالثاً: عيوب الرقابة — الفجوة بين الورق والواقع
تتحدث الوزارة عن زيارات ميدانية مفاجئة وعينات عشوائية وفحوصات متعددة المراحل. غير أن الأرقام نفسها تكشف عن فجوة: فمع مئات المشاريع المتزامنة في مختلف المحافظات، هل تكفي طاقة إدارة المختبرات لتغطية جميعها بالعمق المطلوب؟

فضلاً عن ذلك، تتشتت المسؤولية بين جهات متعددة: وزارة الأشغال للطرق الرئيسية، والبلديات للطرق الداخلية، وأمانة عمّان لشوارع العاصمة — وفي هذا التشتت تضيع المساءلة وتتوه المسؤولية.

الأسئلة التي لا يجيب عنها البيان الرسمي
يستحق المواطن الأردني إجابات صريحة على أسئلة محددة:
كم عينة غير مطابقة استُخدمت في مشاريع فعلية قبل اكتشافها؟
كم مقاولاً أُحيل إلى القضاء خلال عام 2025 بسبب المواد الرديئة؟
ما نسبة الطرق التي أُعيد تعبيدها على نفقة المقاول مقابل تلك التي دفع ثمنها المال العام؟
هل يتضمن عقد المقاول بنداً فعلياً يُلزمه بصيانة الطريق لمدة محددة على حسابه الخاص؟
ما آلية التنسيق الإلزامية بين جهات البنية التحتية لمنع حفر الطرق بُعيد تعبيدها؟

ما الحل؟ خمس خطوات لا غنى عنها

◆ إصلاح نظام العطاءات: الخروج من فخ “أدنى سعر” نحو معادلة توازن بين السعر والجودة والسجل التنفيذي للمقاول.
◆ تفعيل بنود الضمان: إلزام المقاول بضمان الطريق لا تقل عن 5 سنوات على نفقته الخاصة مع ضمان مصرفي.
◆ تنسيق إلزامي بين الجهات: منع أي جهة من حفر طريق معبّد قبل مرور سنة واحدة على الأقل.
◆ تشديد العقوبات: جعل عقوبة استخدام مواد غير مطابقة رادعة فعلية تشمل الحرمان من العطاءات الحكومية.
◆ الشفافية الرقمية: نشر نتائج فحوصات العينات بشكل دوري ومنح المواطنين حق الاطلاع عليها.

الخلاصة
لا شك في أن رصد 535 عينة غير مطابقة ومنع استخدامها يمثل عملاً رقابياً إيجابياً. غير أن المعالجة الحقيقية لأزمة الطرق الأردنية تتطلب ما هو أبعد من المختبرات: إصلاح منظومة من القمة إلى القاع تبدأ من العطاءات وتنتهي بالمساءلة

Scroll to Top