...

استيلاء الاحتلال على أرض كنسية في سلوان.. اعتداء يضاف إلى سجل طويل من انتهاك القانون الدولي

استيلاء الاحتلال على أرض كنسية في سلوان.. اعتداء يضاف إلى سجل طويل من انتهاك القانون الدولي

عمّان — المنصة

استيلاء الاحتلال على أرض كنسية في سلوان.. اعتداء يضاف إلى سجل طويل من انتهاك القانون الدولي

في الخامس عشر من حزيران الجاري، اقتحمت قوات إسرائيلية معززة قطعة أرض تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى بالقدس المحتلة، طردت ممثل البطريركية القائم على رعايتها، وصادرت معداته ومواشيه ومركباته، واقتلعت أشجاراً معمّرة فيها، قبل أن تُحيط الأرض بسياج وبوابات تحت حماية قوات الاحتلال.

والآن، تدين وزارة الخارجية الأردنية هذا الفعل بوصفه خرقاً صارخاً للقانون الدولي — لكن السؤال الذي يتكرر مع كل إدانة مماثلة: هل تملك هذه الإدانات أي قوة فعلية أمام منظومة احتلال لا تعترف أصلاً بالقانون الذي يُحاكَم باسمه؟

موقع الأرض: في قلب المنطقة الأكثر استهدافاً في القدس
الأرض موضوع الاعتداء تقع في بلدة سلوان، إحدى أكثر بلدات القدس الشرقية تعرضاً لمشاريع الاستيطان والتهويد، وتحديداً جنوب المسجد الأقصى مباشرة — وهي المنطقة التي تشهد منذ سنوات تصاعداً حاداً في عمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي وحفريات “مدينة داود” الأثرية الاستيطانية.

بحسب إعلام محافظة القدس، استولت بلدية الاحتلال على الأرض وطردت المسؤول عن رعايتها خالد الزير، وصادرت معداته، واقتلعت نباتات وأشجاراً معمرة فيها، إلى جانب مصادرة مواشٍ ومركبات، قبل أن تحيط الأرض بسياج وبوابات وتفرض سيطرتها عليها.

وقد رفعت بطريركية الروم الأرثوذكس دعوى قضائية ضد بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس، للمطالبة باستعادة الأرض ورفع يد سلطات الاحتلال عنها، في خطوة تكشف أن البطريركية لم تكتفِ بالإدانة الكلامية بل لجأت إلى المسار القانوني، رغم علمها المسبق بأن القضاء الإسرائيلي ذاته جزء من منظومة الاحتلال الذي يُفترض أن يُحاكَم.

القانون الدولي الذي يجرّم هذا الفعل
ما جرى في سلوان ليس مجرد نزاع ملكية عادي، بل يقع تحت طائلة نصوص قانونية دولية صريحة:

اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، المادة 53 تحظر على دولة الاحتلال تدمير أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة، إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة عسكرية قهرية — وهو ما لا ينطبق إطلاقاً على أرض كنسية مدنية. كما تُعدّ اتفاقيات جنيف الأربع جزءاً من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول حتى غير الموقعة عليها، بموجب ما خلص إليه مجلس الأمن الدولي عام 1993.

اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و1907 تُحرّم بدورها مصادرة الممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة دون مسوّغ عسكري مشروع، وتُلزم القوة المحتلة بصون الوضع القائم لا تغييره.

أما الزعم الإسرائيلي المتكرر بأن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق على القدس لأنها لم “تُقصِ دولة شرعية ذات سيادة”، فهو ادعاء رفضته المحكمة الدولية في فتواها الاستشارية بشأن قضية ناميبيا، التي أكدت أن أساس انطباق القانون هو إشغال الأرض مادياً لا السيادة السياسية أو شرعية الملك — أي أن الاحتلال الفعلي وحده كافٍ لإلزام إسرائيل بأحكام الاتفاقية، بصرف النظر عن تفسيراتها القانونية الملتوية.

وفوق هذا كله، يندرج الاستيلاء على ممتلكات دينية تحديداً ضمن انتهاك مضاعف: فهو اعتداء على حق الملكية من جهة، وعلى حرية الممارسة الدينية وصون الأماكن المقدسة من جهة أخرى — وهو ما تُجرّمه أيضاً قرارات متعددة لمجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان بشأن الوضع القانوني والتاريخي للقدس.

 إدانة أردنية حاضرة
الأردن، بصفته الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بموجب اتفاقيات تاريخية معترف بها دولياً، كان الأسرع والأوضح في الإدانة.

فقد شدد الناطق باسم الخارجية الأردنية فؤاد المجالي على رفض المملكة المطلق لكل الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني في القدس، مؤكداً أن لا سيادة لإسرائيل على المدينة ومقدساتها.

الموقف الفلسطيني والكنسي: إدانة متصاعدة وسط شعور بالاستهداف الممنهج
داخل فلسطين، لم يكن رد الفعل أقل حدة. فقد أدانت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين الاعتداء بوصفه انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، واعتداءً مباشراً على حقوق الملكية الخاصة، فضلاً عن مساسه بالمكانة التاريخية والدينية التي تمثلها الكنائس في الأرض المقدسة.

وأكدت اللجنة أن ما يجري في سلوان يأتي ضمن سياق أوسع من سياسة ممنهجة تقوم على الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في مختلف المناطق، سواء كانت أراضي خاصة أو عامة أو أوقافاً دينية أو أملاكاً كنسية.

من جانبها، وصفت بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية ما جرى بأنه استيلاء غير قانوني وغير مشروع على ملكية كنسية، يأتي في إطار اعتداءات متصاعدة تستهدف الوجود المسيحي في المدينة.

اللافت أن الحادثة تزامنت مع تصعيد موازٍ طال مقدسات إسلامية أيضاً، إذ ربطت بيانات رسمية فلسطينية بين الاعتداء على أرض البطريركية في سلوان وبين إحراق مسجدين في رام الله في الإطار الزمني ذاته — ما يعزز الرواية الفلسطينية بأن الاستهداف لا يميّز بين مقدسات المسلمين والمسيحيين، بل يطال الوجود الديني والتاريخي الفلسطيني بمجمله.

الموقف الدولي: غياب لافت حتى اللحظة
أما على الصعيد الدولي الأوسع، فلم تُسجَّل حتى الآن مواقف رسمية صريحة من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة تتناول هذه الحادثة بالاسم.

وهذا الصمت الدولي، في حادثة تمس كنيسة تاريخية عريقة لا فصيلاً سياسياً مثيراً للجدل، يطرح تساؤلاً أعمق: هل يحتاج الانتهاك إلى أن يكون موثقاً بالفيديو ومتداولاً عالمياً ليستحق إدانة من العواصم الكبرى، أم أن استمرار سياسة الأمر الواقع في القدس بات مقبولاً ضمنياً طالما لم يتفجر إعلامياً؟

خلاصة: قانون بلا أسنان
ما جرى في سلوان ليس سابقة، بل حلقة في سلسلة ممنهجة من الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الدينية في القدس المحتلة، موثقة بنصوص قانونية دولية واضحة لا لبس فيها.

لكن الفجوة الحقيقية ليست في غياب القانون — بل في غياب الآلية التي تُلزم إسرائيل بالامتثال له.
فحين تتكرر الإدانات دون عواقب، وحين تبقى المواقف العربية فردية بدل أن تكون جماعية، وحين يصمت العالم عن انتهاك يطال كنيسة عمرها قرون.. يبقى السؤال الحقيقي: من سيُحاسب من؟

Scroll to Top
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.