حديث الملك من الصمود إلى الاستثمار
غير أن الرسالة الأهم في اللقاء لم تكن مرتبطة بالصمود بحد ذاته، لكن بما يجب أن يأتي بعده، فالدول لا تستطيع أن تبقى في حالة دفاع اقتصادي دائم، إنما تحتاج إلى الانتقال نحو مرحلة توظيف الاستقرار وتحويله إلى استثمارات ومشاريع وفرص عمل، ومن هنا يأتي تركيز جلالة الملك على أهمية جذب الاستثمارات، وتعزيز المشاركة المحلية في تنفيذ المشاريع الكبرى، والاستفادة من الخبرات الوطنية في صناعة القرار الاقتصادي.
الواقع أن الأردن يمتلك اليوم فرصة مهمة قد لا تتكرر كثيرًا، فبينما تتراجع شهية الاستثمار في بعض مناطق الإقليم نتيجة حالة عدم اليقين، يبرز الأردن كبيئة مستقرة سياسيًا ومؤسسيًا وقانونيًا، وهذه الميزة لا يجب التعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا أو مضمونًا، إنما باعتبارها رأس مال اقتصاديًا يمكن البناء عليه لاستقطاب المزيد من المشاريع والاستثمارات النوعية.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى تعزيز المشاركة المحلية أهمية خاصة، فالرسالة لا تتعلق فقط بتنفيذ المشاريع الكبرى، وإنما بضمان أن تكون القيمة الاقتصادية المتحققة منها داخل الاقتصاد الوطني، فكل دينار يتم إنفاقه على مشروع إستراتيجي يجب أن ينعكس على الشركات الأردنية والعمالة المحلية والخبرات الوطنية وسلاسل التوريد المحلية، بما يعزز الأثر الاقتصادي للمشاريع ويضاعف انعكاساتها على النمو والتشغيل.
أما حديث جلالة الملك عن مشاريع الربط الإقليمي المستقبلية، فيعكس قراءة استباقية للتحولات التي تشهدها المنطقة، فخلال السنوات المقبلة ستبرز فرص جديدة مرتبطة بالنقل والطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للحدود، والأردن بحكم موقعه الجغرافي واستقراره السياسي يمتلك مقومات تؤهله للاستفادة من هذه التحولات إذا أحسن الاستعداد لها.
الخلاصة أن الرسالة الملكية لم تكن دعوة للصمود فقط، لأن الأردنيين أثبتوا قدرتهم على ذلك مرارًا، والرسالة الأهم كانت أن الاستقرار يجب أن يتحول إلى استثمار، وأن الصمود الاقتصادي يجب أن يتحول إلى نمو، وأن الفرص التي تفرضها المتغيرات الإقليمية يجب أن تتحول إلى مشاريع حقيقية تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتوفر مزيدًا من فرص العمل للأردنيين.
نقلاً عن الغد








