من جريمة كنيسة الحمود إلى سموم الحسابات الوهمية.. كيف وأد الأردنيون الفتنة؟
المنصة – لم تكن جريمة كنيسة القديس جورج في منطقة حمود بمحافظة الكرك اختباراً للأمن وحده، بل شكّلت أيضاً اختباراً لوعي الأردنيين وقدرتهم على حماية وحدتهم الوطنية في مواجهة خطاب الكراهية ومحاولات بث الفرقة. وبينما كانت الأجهزة الأمنية تلاحق المشتبه بهم في تنفيذ الهجوم، كان الأردنيون يخوضون على مواقع التواصل الاجتماعي معركة موازية عنوانها رفض الفتنة، والتمسك بالتآخي، وعدم السماح للجريمة بأن تتحول إلى شرخ في المجتمع.
وعقب وقوع الهجوم، اتجهت تفاعلات واسعة إلى التعبير عن التضامن مع أسر الضحايا والمصابين، واستنكار استهداف دور العبادة، والتأكيد أن الأردنيين، بمختلف أصولهم ومعتقداتهم، يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك. وبرزت رسائل تدعو إلى التمسك بالوحدة الوطنية، وترفض تحميل أي جماعة أو فئة مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد، أو استخدام الحادثة لتأجيج الخلافات الدينية والاجتماعية.
وفي خضم هذه المشاعر، برزت أهمية التعامل المسؤول مع المعلومات المتداولة؛ فالحوادث الأمنية، بما تحمله من ألم وغضب، تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، وقد تتحول بعض المنشورات والتعليقات إلى أدوات لإثارة الاحتقان، سواء عن قصد أو نتيجة التسرع في النشر والمشاركة.
الحسابات الوهمية.. الوجه الآخر لمحاولات بث الفرقة
ولا تنفصل هذه التحديات عن ظاهرة الحسابات الوهمية التي تظهر في الفضاء الرقمي وتستخدم أسماء أو هويات غير واضحة، وتنشر محتوى يستهدف إثارة الجدل والاحتقان، أو تضخيم الخلافات، أو التشكيك في تماسك المجتمع الأردني. وقد تتخذ بعض هذه الحسابات من الأحداث المؤلمة فرصة لبث رسائل تحريضية، وإعادة تداول روايات غير موثقة، ودفع المستخدمين إلى الانجرار وراء ردود فعل غاضبة.
ومع ذلك، فإن نسبة هذه الحسابات إلى جهات محددة أو الجزم بوجود حملة منظمة تستهدف الأردن يتطلب أدلة موثوقة وتحقيقاً مختصاً؛ فليس كل حساب مجهول حساباً وهمياً، ولا كل رأي مخالف جزءاً من مخطط. لكن المؤكد أن المحتوى التحريضي والمعلومات المضللة، أياً كان مصدرها، يمكن أن يساهما في تعميق الانقسام إذا جرى تداولهما دون تحقق أو مساءلة.
وهنا تتجلى مسؤولية المستخدمين في عدم منح الشائعات مساحة أوسع من حجمها، وتجنب إعادة نشر المواد التي تحض على الكراهية أو تتضمن اتهامات غير مثبتة، والعودة إلى المصادر الرسمية والموثوقة عند متابعة تطورات القضايا الأمنية. فالتفاعل مع المحتوى المثير للغضب، حتى بقصد انتقاده، قد يسهم أحياناً في توسيع انتشاره ومنحه مزيداً من التأثير.
وعي الأردنيين.. خط الدفاع عن الوحدة الوطنية
وفي مواجهة هذه المحاولات، أظهرت ردود الفعل الأردنية أن التضامن المجتمعي يمكن أن يكون حاجزاً أمام تحويل الجريمة إلى فتنة. فالتعاطف مع الضحايا، ورفض التطرف، والتأكيد على حق الجميع في الأمن والكرامة وممارسة شعائرهم، رسائل تتجاوز حدود المنشورات والتعليقات، وتعكس تمسكاً بقيم التعايش التي تشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني.
كما أن سرعة القبض على المشتبه بهم في الهجوم، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية، أسهمت في توجيه الاهتمام نحو المسار القانوني ومحاسبة المسؤولين، بعيداً عن الاتهامات العشوائية أو محاولات استثمار الجريمة لإثارة الانقسام. فالمحاسبة تكون عبر التحقيق والقضاء، لا عبر التعميم أو التشهير أو استهداف فئات بأكملها.
ولعل الدرس الأبرز الذي حملته هذه الحادثة أن حماية الأردن لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى الوعي الرقمي، والتحقق من المعلومات، ورفض خطاب الكراهية، وعدم السماح للحسابات المجهولة أو المنشورات التحريضية بتحديد طبيعة النقاش العام.
فحين يرفض الأردنيون تحويل الألم إلى كراهية، والجريمة إلى صراع بين أبناء الوطن، فإنهم يقطعون الطريق على الفتنة، ويؤكدون أن قوة المجتمع لا تكمن في غياب الأزمات، بل في قدرته على مواجهتها متماسكاً، متمسكاً بوحدته، وواضعاً أمن الأردن واستقراره فوق كل اعتبار.








