خاص – المنصة
من الرصاص إلى المداهمة.. قراءة في هجوم كنيسة حمود وإدارة الدولة للأزمة
خلال اثنتين وسبعين ساعة فقط، انتقلت الدولة الأردنية من صدمة هجوم دامٍ استهدف موكب جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، إلى إعلان القبض على المنفذين الثلاثة فجر الاثنين 26 تشرين الأول، بعد اشتباك في منزل مهجور تحصّنوا فيه.
الهجوم الذي وقع الجمعة 23 تشرين الأول أسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين، في واحد من أعنف الاعتداءات على دور العبادة في تاريخ المملكة.
غير أن نجاح المداهمة لا يغلق الملف، بل ينقله إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فالسؤال لم يعد «من نفّذ؟»، وإنما كيف تشكّلت الخلية، ومن موّلها وبرّر لها، ولماذا لم تُرصد قبل أن تضغط على الزناد.
ولعل أهم ما ورد في الخبر الذي نشرته «المنصة» ليس إعلان القبض بحد ذاته، بل حديث وزير الداخلية عن مراجعة «الظروف التي توصل الشباب للتطرف»، لأنه اعتراف صريح بأن المعركة أبعد من حدود المداهمة.
ما الذي حدث في حمود؟
ترجّل ثلاثة مسلحين من مركبة أمام الكنيسة أثناء مراسم التشييع، أحدهم ملثّم يحمل بندقية كلاشينكوف، والآخران مكشوفا الوجه ويحمل كل منهما مسدساً، وفتحوا النار على المشيعين ثم لاذوا بالفرار.
بدأت الحصيلة بسبعة قتلى، ثم ارتفعت إلى ثمانية، فتسعة بعد وفاة مصاب في مستشفى الأمير علي العسكري يوم السبت. وتحدثت الحصيلة الرسمية الأولى عن 34 مصاباً، فيما أوردت تقارير أخرى رقم أربعين.
سارعت الحكومة إلى إعلان الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام ثلاثة أيام، ووجّه الملك الأجهزة المعنية بالرد بحزم وملاحقة كل من أيّد الفعل أو برّره.
ويوم الأحد شُيّع ثمانية من الشهداء في جنازة رسمية وشعبية موحدة، دُفنوا في قبر جماعي قبالة الكنيسة إلى جانب نصب تذكاري، وفُتح بيت عزاء مشترك لعائلات الضحايا جميعاً.
وفجر الاثنين، حددت فرق التحقيق والمداهمة مكان المنفذين في منزل مهجور، فرفضوا الاستسلام وأطلقوا النار، لتنتهي العملية بإصابتهم جميعاً والقبض عليهم دون أي إصابة في صفوف القوة الأمنية، مع ضبط أسلحة وذخائر. وأفاد مصدر حكومي لاحقاً بأن أحدهم في حالة موت سريري.

أربع طبقات في خطاب واحد
يكشف الخبر عن خطاب رسمي متعدد الطبقات، توزّعت فيه الأدوار بين المسؤولين بوعي أو بدونه. الطبقة الأولى هي خطاب الردع الذي حمله وزير الاتصال الحكومي محمد المومني، بلغة «القصاص» و«اليد الحديدية» و«دون رأفة أو تهاون»، وهي لغة موجهة إلى داخل غاضب وإلى أي خلايا كامنة في آن، هدفها استعادة هيبة الدولة سريعاً بعد ضربة رمزية موجعة.
أما الطبقة الثانية فهي خطاب الطمأنة المشروطة الذي قدّمه وزير الداخلية مازن الفراية، حين ربط دعوة المواطنين إلى الاطمئنان بتوفير «أسباب حقيقية» لذلك، وبترجمة المأساة إلى إجراءات عملية. وفي هذا اعتراف ضمني بأن الطمأنة اللفظية وحدها لم تعد كافية لرأي عام يريد أن يرى الفعل قبل القول.
وتأتي الطبقة الثالثة من رئيس الوزراء جعفر حسان، الذي تحدث عن انتشار التكفير والتزمت خلال العقود الأربعة الماضية، ووصف المواجهة بأنها «معركة وعي وفكر» لا تقتصر على الجانب الأمني.
هذا الخطاب ينقل الملف من الأمني إلى البنيوي، ويفتح الباب أمام مراجعات قد تطال التعليم والخطاب الديني والفضاء الرقمي. فيما تمثل الطبقة الرابعة التوجيه الملكي بملاحقة من «أيّد أو برّر»، وهو توجيه يوسّع دائرة المساءلة من الفعل إلى الخطاب، وسينعكس على الأرجح في إنفاذ أكثر صرامة لقانون الجرائم الإلكترونية.
على أن الخبر يحمل توتراً لافتاً في صياغته. فعنوانه يتحدث عن أن الأردن «يقتصّ»، ويقول متنه إن المتورطين «لقوا مصيرهم العادل»، بينما يؤكد المضمون ذاته أنهم أُلقي القبض عليهم أحياء بعد إصابتهم. لغة القصاص مفهومة عاطفياً في لحظة كهذه، لكنها قد تُقرأ حكماً مسبقاً، في حين أن الحسم القضائي يمرّ عبر المحاكمة. والمفارقة أن الإبقاء على المنفذين أحياء هو المكسب الأكبر للدولة، لأنهم المصدر الوحيد للمعلومات عن الشبكة والتمويل والمرجعية الفكرية.

لماذا كنيسة، ولماذا جنازة، ولماذا الكرك؟
لم يكن اختيار الهدف عشوائياً. فاستهداف دار عبادة مسيحية يضرب مباشرة سردية العيش المشترك التي تشكّل ركناً من الهوية الوطنية الأردنية ومن صورة المملكة في الخارج، ويسعى إلى استدراج احتقان طائفي في مجتمع لم يعرفه. واختيار موكب تشييع يعني هدفاً رخواً مزدحماً ومعروف التوقيت، بما يرفع الخسائر إلى حدها الأقصى.
وتشير الإفادات الطبية بأن غالبية الإصابات أصابت الأوردة والشرايين الرئيسية إلى نية قتل مباشرة، لا إلى ترويع عشوائي.
أما الكرك، بنسيجها العشائري المسلم والمسيحي المتداخل، فقد سبق أن شهدت هجوم قلعة الكرك أواخر عام 2016. وعودة الاستهداف إليها تطرح سؤالاً مزدوجاً: هل ثمة بيئات تجنيد محلية لم تُعالَج، أم أن الجنوب بات هدفاً رمزياً مقصوداً لمن يريد أن يقول إن الأطراف ليست بمنأى؟
الأداء الأمني بين الحسم والأسئلة
يُسجَّل للأجهزة الأمنية أنها حسمت الملف في ثلاثة أيام، وهو زمن قياسي لخلية مسلحة متوارية. ويُسجَّل لها أيضاً أنها تريّثت عمداً في المداهمة تحسباً لتحصّن الجناة، في استفادة واضحة من دروس أحداث 2016 التي كلّفت الأمن خسائر بشرية. فانتهت العملية دون إصابة واحدة في القوة، وبالقبض على المنفذين أحياء وضبط سلاحهم، ورافقتها إدارة اتصالية متزامنة جمعت بيان الأمن العام ومنشورات الوزراء وتسريبات المصدر الحكومي خلال ساعات.
لكن الحسم السريع بعد الجريمة لا يجيب عن سؤال ما قبلها. فكيف وصل ثلاثة مسلحين ببندقية آلية إلى قرية ومناسبة عامة دون رصد مسبق؟ الإجابة هي التي ستحدد ما إذا كان الخلل استخبارياً، أم أن الخلية من نمط «الذئاب المنفردة» العاملة خارج الرادار.
ويبقى معلّقاً أيضاً سؤال مصادر السلاح والذخيرة، وشبكة الإيواء التي أخفت المنفذين اثنتين وسبعين ساعة. كما أن تذبذب الأرقام الأولية بين سبعة وثمانية وتسعة شهداء، وبين 34 و40 مصاباً، يكشف حاجة إلى مرجعية واحدة للبيانات في الأزمات.
المجتمع يردّ على الرصاص
جاء رد الفعل الشعبي في الاتجاه المعاكس تماماً لما أراده المهاجمون. فالجنازة الموحدة وبيت العزاء المشترك والحضور الواسع من مختلف المحافظات، والخطاب الغالب على منصات التواصل الذي اعتبر المصاب وطنياً لا طائفياً، كلها رسمت مشهداً يمثل رصيداً سياسياً للدولة. غير أنه رصيد قابل للتآكل إذا لم تتبعه إجراءات ملموسة يلمسها الناس.
وفي المقابل، يحمل التوجيه بملاحقة «المبرّرين» حساسية مزدوجة. فهو ضروري لتجفيف البيئة الحاضنة في الفضاء الرقمي، لكنه يتطلب معايير قانونية دقيقة تفصل بين التحريض والتبرير من جهة، والرأي والنقد من جهة أخرى، حتى لا يتحول إلى توسّع في القيود على حرية التعبير يستثمره خطاب المظلومية المتطرف نفسه.

إلى أين يتجه الملف؟
على المدى القصير، يُرجَّح أن تشهد المرحلة المقبلة تشديداً في حماية دور العبادة والمناسبات الكبرى، وحملة ملاحقة لمحتوى التبرير على المنصات، وإحالة المنفذين إلى محكمة أمن الدولة بتهم إرهاب قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وعلى المدى المتوسط، ستتجه الأنظار إلى ما ستكشفه التحقيقات عن امتدادات الخلية إن وُجدت، وإلى مدى جدية المراجعة التي لمّح إليها رئيس الوزراء ووزير الداخلية لبرامج مكافحة التطرف والخطاب الديني والمناهج.
وتبقى ثلاثة مخاطر قائمة: احتمال محاولات التقليد التي تعقب عادة الهجمات ذات الصدى الواسع، ومحاولة توظيف الحادثة في خطاب طائفي مضاد، واستثمار خارجي لصورة «الأردن غير الآمن» على حساب السياحة والاستثمار.
وبين هذه المخاطر جميعاً، يبدو أن الاختبار الحقيقي للدولة لم يكن في المداهمة، بل يبدأ بعدها.








