عمان – المنصة
وزارة السياحة “تحذّر” من المكاتب غير المرخصة… والقانون يمنحها صلاحية إغلاقها: فلماذا تكتفي بالتحذير؟
دعت وزارة السياحة والآثار المواطنين، الأربعاء، إلى التأكد من ترخيص وتصنيف مكاتب السياحة والسفر قبل الحجز أو شراء البرامج والرحلات، تجنباً للاحتيال والعروض الوهمية، مشيرة إلى أن ممارسة المهن والأنشطة السياحية وتقديمها عبر المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية تتطلب موافقتها.
وذكّرت بأن المادة (9) من القانون تجيز ممارسة هذه المهن بعد الحصول على الموافقة، وأن العقوبات، بحسب ما أوردته، قد تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة أو غرامة من 3 إلى 10 آلاف دينار أو كلتيهما، ودعت إلى التحقق من الترخيص قبل تحويل أي مبلغ عبر رقم الوزارة.
تحذير مفيد في ظاهره، لكنه يطرح سؤالاً مباشراً: إذا كانت الوزارة تملك بنص القانون أن تغلق وأن تحيل وأن تلاحق، فلماذا يُطلب من المواطن، وهو الطرف الأضعف، أن يتولى بنفسه التمييز بين المرخص وغير المرخص؟

القانون يملك أن يُغلق… فلماذا التحذير؟
بحسب النص المنشور لقانون السياحة رقم 20 لسنة 1988 وتعديلاته، لا تقف الوزارة عند حدود النصح.
فالمادة (11/ج) تجيز للوزير إغلاق أي محل أو مكتب تمارس فيه مهنة سياحية دون ترخيص أو دون تجديده، والمادة (13) تمنح موظفي وحدة التوعية والتوجيه والرقابة المشتركة صفة الضابطة العدلية وحق دخول أي جهة تمارس مهنة سياحية، والمادة (18) تعاقب من يمارس مهنة سياحية قبل الحصول على الترخيص بالحبس أو الغرامة أو كلتيهما، على أن تُقام دعوى الحق العام من النائب العام بناءً على طلب الوزير.
أي أن مفتاح الإغلاق ومفتاح الملاحقة بيد الوزارة نفسها.

وثمة ملاحظة شكلية تستحق التوضيح: تحيل الوزارة في تحذيرها إلى المادة (21) بوصفها مصدر العقوبات، بينما تضع النسخة المنشورة من القانون وتعديلاته العقوبة نفسها في المادة (18)، وتخصص المادة (21) لتكليف رئيس الوزراء والوزراء بتنفيذ القانون.
وقد يكون ذلك نتيجة تعديل لم يُعمَّم، لكنه يستوجب تصحيحاً أو توضيحاً في تحذير موجّه للجمهور.
أسئلة عن الصلاحية والاستخدام
ما دام القانون يمنح الوزير صراحة حق إغلاق أي مكتب يعمل دون ترخيص، فلماذا تُصدر الوزارة تحذيراً للمواطنين بدلاً من إعلان إغلاقات مقرونة بأسماء وأرقام؟
كم مكتباً أُغلق منذ مطلع 2026، وكم مرة طلب الوزير من النائب العام تحريك دعوى الحق العام وفق المادة (18)؟ ولماذا لا يتضمن التحذير رقماً واحداً؟
هل تمارس وحدة الرقابة المشتركة صلاحيات الضابطة العدلية فعلاً، وكم جولة تفتيش نفذتها هذا العام؟
هل اكتفاء الوزارة بالتحذير عجز قانوني أم خيار في استخدام صلاحيات ثابتة بنص القانون؟ وإن كان عجزاً، فأين النص الذي يمنعها من الإغلاق؟
تحذير يتكرر كل بضعة أشهر
ليس هذا التحذير الأول. ففي شباط 2026 حذّرت الوزارة من التعامل مع المكاتب غير المصنفة، وقالت إن الترويج لأي نشاط سياحي عبر مواقع التواصل دون موافقتها يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية، وإنها مستمرة في إجراءات رقابية وتوعوية بالتعاون مع جمعية مكاتب وشركات السياحة والسفر.
وفي أواخر آب 2026 حذّرت الجمعية من تزايد حالات انتحال أسماء وشعارات شركات مرخصة وطلب تحويل الأموال إلى محافظ شخصية. واليوم يتجدد التحذير بصيغة قريبة.

والتحذير الأخير يثير مشكلة إضافية: فنصيحة «تحقق من أن المكتب مرخص» لا تكفي إن كان المحتال ينتحل اسم مكتب مرخص أصلاً، وهو ما تنبّه إليه الجمعية حين تدعو إلى التأكد من اسم المستفيد من التحويل وأن الحساب باسم الشركة لا باسم فرد.
ولا يرد ذلك في تحذير الوزارة. كما أن المكتب غير المرخص لا يقدم كفالة بنكية، بينما تجيز المادة (11/أ/2) مصادرة كفالة المكتب المرخص لرد الأموال إلى المتضررين، أي أن شبكة الأمان القانونية الوحيدة لا تشمل ضحية المكتب غير المرخص.
أسئلة عن التكرار وحماية الضحية
لماذا يتكرر التحذير نفسه كل بضعة أشهر دون أن يتغير شيء في حجم المشكلة، وما المؤشر الذي ستقيس به الوزارة نجاحه؟
هل يكفي أن يتحقق المواطن من أن المكتب «مرخص» إذا كان المحتالون ينتحلون أسماء وشعارات مكاتب مرخصة ويطلبون التحويل إلى محافظ شخصية؟ وأين هذه النقطة في تحذير الوزارة؟
لماذا لا يتضمن التحذير رابطاً مباشراً إلى قائمة المكاتب المرخصة والمصنفة، ويكتفي برقم هاتف؟
كم شكوى تلقتها الوزارة هذا العام ضد مكاتب غير مرخصة، وكم مواطناً استرد أمواله؟ ومن يعوّض من دفع لمكتب لا كفالة بنكية له؟
الفضاء الرقمي: الثغرة التي لا يسمّيها التحذير
تقول الوزارة إن تقديم الأنشطة السياحية عبر المواقع والبرامج والمنصات الرقمية يتطلب موافقتها، لكنها لا تقول كيف تتصرف حين تُدار المخالفة بالكامل من صفحة أو رقم هاتف.
فنص الإغلاق في المادة (11/ج) يتحدث عن «محل أو مكتب»، لا عن صفحات ومحافظ إلكترونية. وقد وثّق تحقيق صحفي نُشر مطلع 2023 مكاتب غير مرخصة تنشط عبر «فيسبوك» وتغري الزبائن بأسعار أقل بما يصل إلى 300 دينار، ونقل عن الناطق باسم الوزارة حينها أن 35 مكتباً أُغلقت و14 شخصاً أُحيلوا إلى المدعي العام خلال عام 2022.
أسئلة عن الفضاء الرقمي
كيف تُغلق صفحة على «فيسبوك» أو رقم واتساب أو محفظة إلكترونية تتلقى أموال الضحايا؟ ومن الجهة المخوّلة بذلك: الوزارة أم وحدة الجرائم الإلكترونية أم هيئة الاتصالات؟
هل يغطي نص القانون الذي يتحدث عن إغلاق «محل أو مكتب» نشاطاً يُدار من هاتف، أم أن هناك فراغاً تشريعياً يستدعي تعديلاً؟
هل طلبت الوزارة يوماً من النائب العام ملاحقة صاحب صفحة أو حساب يروّج لرحلات دون ترخيص، وما نتيجة ذلك؟
خلاصة
التحذيرات رخيصة، أما الإغلاقات فتحتاج إلى عمل ميداني وقرار وأرقام تُعلَن. والقانون، بحسب نصه المنشور، يضع الأداة في يد الوزارة: إغلاق، وضابطة عدلية، وطلب ملاحقة. أما الفضاء الرقمي فهو الثغرة الحقيقية، وهي تستدعي توضيحاً وربما تعديلاً، لا مزيداً من النصائح. فإن كان في يد الوزارة مفتاح الإغلاق، فلماذا تكتفي بإعطاء المواطنين خريطة للابتعاد عن الأبواب؟








