“جاهزية” تتكرر كل عام… فهل يختلف هذا الشتاء عن الذي أغرق الشوارع وهدم الجدران؟

"جاهزية" تتكرر كل عام... فهل يختلف هذا الشتاء عن الذي أغرق الشوارع وهدم الجدران؟

عمان – المنصة

“جاهزية” تتكرر كل عام… فهل يختلف هذا الشتاء عن الذي أغرق الشوارع وهدم الجدران؟

الحكومة تعلن مجدداً رفع الجاهزية لمواجهة أمطار “قد تشبه ما شهدته المملكة العام الماضي” – وهو بالضبط الموسم الذي غرقت فيه شوارع عواصم المحافظات وانهارت فيه طرق وجدران استنادية رغم إعلانات جاهزية مماثلة حينها

وجّه نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية البلديات ومجالس الخدمات المشتركة لرفع جاهزيتها استعداداً لفصل الشتاء المقبل، محذراً من احتمال تكرار “ظواهر جوية استثنائية وهطولات مطرية كثيفة… تشبه ما شهدته المملكة العام الماضي”.

وتوازى ذلك مع إعلانات جاهزية من مديريات الأشغال والبلديات في عجلون وإربد والرمثا والكرك، شملت معالجة بؤر ساخنة وتنظيف مصارف مياه وتجهيز فرق طوارئ. التصريحات مطمئنة في ظاهرها، لكنها تستدعي سؤالاً مباشراً: العام الماضي أيضاً أُعلنت جاهزية مماثلة قبل الموسم، فماذا حدث فعلياً حين هطلت الأمطار؟

العام الماضي أيضاً: جاهزية معلنة… ونتيجة مختلفة

لم يكن الموسم الماضي استثناءً من حيث التصريحات: أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان جاهزيتها لمواجهة الحالات الجوية عبر غرف عمليات على مدار الساعة، مدعومة بعشرات فرق الميدان ومئات المركبات الحكومية وآليات إزالة الثلوج. ورغم ذلك، شهدت المملكة خلال تشرين الثاني وكانون الأول 2025 موجتين متتاليتين من السيول غمرت شوارع رئيسية في عمّان والزرقاء وسحاب والكرك والطفيلة ومخيم البقعة، وعلقت فيها عشرات المركبات، فيما أدت سيول “غير مسبوقة” إلى انهيار أجزاء من الطريق الملوكي الرابط بين الطفيلة والكرك – أحد أهم الطرق الحيوية جنوب المملكة.

أسئلة عن معنى “الجاهزية” المعلنة سنوياً

إذا كانت غرف العمليات والفرق الميدانية والمركبات قد أُعلن عن جاهزيتها الكاملة العام الماضي، فكيف انهارت أجزاء من طريق رئيسي يصل بين محافظتين بفعل السيول؟

هل خضعت أسباب فشل “الجاهزية” المعلنة في الموسم الماضي لمراجعة فنية معلنة للجمهور، أم انتقل الملف مباشرة إلى إعلان جاهزية جديدة لهذا العام دون محاسبة أو تفسير؟

ما الذي تغيّر فعلياً – من حيث البنية التحتية لا الخطاب – بين جاهزية العام الماضي وجاهزية هذا العام؟

انتقادات نيابية لم تغب عن المشهد

لم يمر موسم الأمطار الماضي دون محاسبة برلمانية: فقد وُصف ترك المواطنين يواجهون السيول وحدهم بأنه “تقصير متكرر” من الجهات المعنية يعكس “خللاً إدارياً واضحاً” في إدارة الموسم الشتوي، وفق انتقادات نيابية نُقلت حينها.

كما تكررت مشاهد مألوفة من عام لآخر: مركبات عالقة، محال تجارية غارقة، ومواطنون يتداولون مقاطع فيديو لشوارع تحولت إلى مجارٍ، في مناطق سبق أن شهدت المشكلة ذاتها في مواسم سابقة – كما حدث لمواطن في الزرقاء روى أن المياه اقتحمت منزله “للمرة الثانية خلال عامين”.

أسئلة عن تكرار المشكلة في المواقع نفسها

لماذا تتكرر الأضرار في المناطق ذاتها (كمنطقة أبو الزيغان في الزرقاء) أكثر من مرة خلال سنوات متقاربة رغم إعلانات المعالجة؟

هل توجد خارطة وطنية منشورة بعدد “البؤر الساخنة” الكلي في المملكة، وما نسبة ما عولج منها فعلياً قبل كل موسم، أم أن كل محافظة تعلن إنجازاتها بمعزل عن الصورة الكاملة؟

هل أخذت الجهات المعنية بعين الاعتبار أن جزءاً من المشكلة مرتبط بربط مزاريب الأبنية بشبكات الصرف الصحي بشكل مخالف – كما أوضحت أمانة عمان نفسها – وما الإجراء العملي المتخذ لوقف هذه المخالفة قبل الموسم الحالي لا بعده؟

هذا العام: نفس اللغة، فما الجديد؟

يلفت التصريح الحكومي الأخير إلى أن الموسم المقبل “قد يشهد ظواهر جوية استثنائية… تشبه ما شهدته المملكة العام الماضي” – وهو إقرار ضمني بأن ما حدث العام الماضي قد يتكرر.

وفي المقابل، تتحدث مديريات الأشغال عن إنجازات جزئية: معالجة بؤرة ساخنة واحدة في عجلون بكلفة مليون دينار، وتسع فرق طوارئ في المحافظة ذاتها، وعطاءات بلدية الكرك الثلاثة بكلفة مليون ونصف المليون دينار. أرقام مشاريع فردية مشروعة، لكنها تبقى معلومات متناثرة بلا مؤشر إجمالي واضح يقارن حجم الإنفاق والإنجاز هذا العام بحجم الأضرار التي سُجلت في الموسم السابق.

السؤال الذي يطرحه العنوان نفسه: هل سيكون هذا العام أفضل؟

إذا كانت الحكومة نفسها تتوقع تكرار الظروف الجوية “الاستثنائية” لعام مضى بفشل موثق جزئياً، فما الدليل الملموس على أن نتيجة هذا العام ستختلف عن نتيجة العام الماضي؟

هل ستُنشر، بعد انتهاء الموسم المقبل، مقارنة علنية بين ما أُعلن من جاهزية وما وقع فعلياً من أضرار، كما هي العادة في بلدان تعتمد تقييم الأداء بعد الأزمات؟

ولو تكررت مشاهد غرق الشوارع وانهيار الطرق هذا الشتاء كما في سابقه، من سيُسأل: الطقس “الاستثنائي” مجدداً، أم من أعلن الجاهزية ولم تصمد؟

خلاصة

بين جاهزية مُعلنة كل عام وأضرار متكررة كل عام، يبقى الفارق الحقيقي الذي ينتظره المواطن ليس في نبرة التصريحات، بل في تفاصيل لا تظهر عادة في البيانات الرسمية: ما الذي تغيّر بنيوياً في شبكات الصرف ومحاور الطرق الأكثر عرضة للسيول منذ آخر مرة غرقت فيها؟ وإلى أن تُجاب هذه الأسئلة بأرقام واضحة لا بعبارات عامة عن “رفع الجاهزية”،

سيظل السؤال الذي يطرحه كل خريف نفسه: هل سيكون هذا العام مختلفاً حقاً، أم أننا سنقرأ التصريحات ذاتها بعد الموسم المقبل أيضاً؟

Scroll to Top