عمان – المنصة
5134 متدرباً جديداً… وسؤال لم يُطرح: إلى أين تذهب أعداد التدريب المهني كل عام؟
انطلق العام التدريبي 2026-2027 في مؤسسة التدريب المهني بالتحاق 5134 متدرباً ومتدربة في 34 معهداً ومركز تميز، من بين 13255 طلباً تقدم بها الراغبون، وبنسبة مشاركة نسائية بلغت 41% على المستوى الوطني.
البيان الرسمي يصف هذه الأرقام بأنها مؤشر على “اتساع قاعدة الإقبال” و”تنامي اهتمام الشباب بالمهارات العملية”.
وهي أرقام جيدة فعلاً من حيث الإقبال، لكنها تترك سؤالاً لم يتطرق إليه البيان على الإطلاق: ماذا يحدث لهؤلاء المتدربين بعد تخرجهم، وهل يملك سوق العمل الأردني فعلاً القدرة على استيعاب هذا العدد، إلى جانب عشرات آلاف الخريجين الذين سبقوهم في دورات سابقة؟

% تشغيل… من يتحقق من هذا الرقم؟
دأبت مؤسسة التدريب المهني ووزارة العمل على تكرار رقم واحد في مناسبات متعددة على مدى العامين الماضيين: أن نسبة تشغيل خريجي معاهد التدريب المهني تبلغ 90%، بل تصل في بعض القطاعات إلى 100%.
هذا الرقم، رغم تكراره، لم يُنشر معه منهجية واضحة: هل يُحتسب التشغيل عند التخرج مباشرة أم بعد فترة زمنية محددة؟ هل يشمل العمل المؤقت وغير المنظم والعمل لحساب الذات، أم فقط الوظائف الثابتة؟ وهل يستند إلى مسح ميداني مستقل، أم إلى تقديرات داخلية للمؤسسة نفسها؟ واللافت أن مدير عام المؤسسة نفسه وصف في تصريح سابق معدلات البطالة في الأردن بأنها وصلت إلى “نسب غير مسبوقة” – وهو تناقض ظاهري يستحق توضيحاً: كيف تتعايش نسبة تشغيل خريجين تبلغ 90% مع بطالة عامة تصفها الجهة ذاتها بأنها غير مسبوقة؟
أسئلة عن مصداقية رقم “90%”
ما هي المنهجية الدقيقة المستخدمة لاحتساب نسبة تشغيل 90%، ولماذا لا تُنشر للجمهور والباحثين بالتفصيل؟
هل يشمل هذا الرقم استمرارية العمل لفترة معقولة (سنة مثلاً)، أم يكتفي برصد أي شكل من أشكال الانخراط في العمل عند التخرج مباشرة؟
إذا كانت نسبة تشغيل الخريجين مرتفعة إلى هذا الحد، فلماذا لا تنعكس بوضوح على معدل البطالة العام بين الشباب الأردني؟
الإقبال على الحلاقة: فرصة مهنية أم سوق صغير يتكرر تشبعه؟
تصدّر برنامجا الحلاقة النسائية (558 متدربة) والحلاقة الرجالية (404 متدربين) قائمة التخصصات الأكثر إقبالاً في هذا الدور التدريبي وحده، أي نحو 19% من إجمالي الملتحقين الجدد.
وهذا التخصص يتكرر إقباله الكبير في كل دور تدريبي تقريباً على مدى سنوات، ما يعني تخريج مئات الحلاقين والحلاقات الجدد مرتين سنوياً على الأقل، يضافون إلى قاعدة الخريجين المتراكمة من الأعوام السابقة.
لا يرافق هذا الإعلان أي تقدير لحجم سوق صالونات التجميل والحلاقة الفعلي في الأردن، ولا لقدرته على استيعاب هذا التدفق المستمر من الخريجين الجدد دون أن يؤدي ذلك إلى تشبع المهنة وتراجع دخل العاملين فيها، خصوصاً أنها مهنة ذات عتبة دخول منخفضة ومنافسة مرتفعة أصلاً في القطاع غير المنظم.
أسئلة عن استيعاب السوق للتخصصات الأكثر إقبالاً
هل أجرت المؤسسة أو أي جهة معنية دراسة لحجم الطلب الفعلي على الحلاقين في السوق الأردني مقابل حجم الخريجين الجدد المتدفقين إليه كل عام؟
ما مصير خريجي الدورات السابقة من برنامجي الحلاقة النسائية والرجالية: كم منهم يعمل فعلاً في المهنة بعد سنة أو سنتين من التخرج؟
هل يُعقل أن يستمر تخصص واحد في جذب الحصة الأكبر من المتدربين دوراً بعد دور، دون أن يقابله تحديث في توجيه الإقبال نحو تخصصات أقل تشبعاً؟
فجوة القبول: 13 ألف طلب مقابل 5 آلاف مقعد فقط
تقدّم 13255 شخصاً بطلبات التحاق، فيما لم يُقبل منهم سوى 5134، أي أقل من 39% من إجمالي الطلبات.
هذا الرقم يثير تساؤلاً يتقاطع مع تصريحات سابقة للمؤسسة نفسها، التي أشارت إلى طاقة استيعابية تصل إلى 10 آلاف متدرب في الدفعة الواحدة “مع إمكانية مضاعفة العدد”. إذا كانت الطاقة الاستيعابية المعلنة تفوق عدد المتقدمين بالأساس، فما الذي يفسر رفض أكثر من 60% من طلبات الراغبين في الالتحاق؟

أسئلة عن الفجوة بين الطاقة المعلنة والقبول الفعلي
لماذا تُرفض غالبية الطلبات إذا كانت الطاقة الاستيعابية المعلنة للمؤسسة تتسع لعدد أكبر من المتقدمين أنفسهم؟
هل محدودية القبول مرتبطة بعدد المشاغل التدريبية المتاحة فعلياً، أم بتوزيع التخصصات المطلوبة جغرافياً، أم بعامل آخر لم يُفصح عنه؟
ماذا يحدث لآلاف المتقدمين الذين تُرفض طلباتهم: هل تُوجَّههم المؤسسة إلى بدائل أخرى، أم يبقون ببساطة خارج أي مسار تدريبي أو تشغيلي؟
وماذا عن كل الدفعات التي سبقت هذه الدفعة؟
لا تقتصر مؤسسة التدريب المهني على 5134 متدرباً هذا العام فحسب؛ فهي تخرّج سنوياً نحو 8 آلاف متدرب ومتدرب ضمن برامجها المهنية الأساسية، إلى جانب آلاف آخرين في برامج التدريب المستمر، وقد تجاوز إجمالي خريجيها منذ التأسيس عام 1976 أكثر من 420 ألف خريج وخريجة.
مع هذا الحجم التراكمي الهائل من الخريجين عبر خمسة عقود، يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات الرسمية: هل جرى تتبّع مسارات هؤلاء الخريجين على المدى الطويل – لا عند التخرج فقط – لمعرفة نسبة من لا يزالون يعملون في تخصصهم بعد خمس أو عشر سنوات؟ أم أن كل دور تدريبي جديد يُقاس بمعزل كامل عما سبقه من دفعات، وكأن السوق يتسع باستمرار لاستيعاب كل الأعداد المتراكمة دون حد؟
السؤال الذي يطرحه العنوان نفسه
مع وجود أكثر من 420 ألف خريج تراكمي منذ 1976، وثمانية آلاف خريج إضافي كل عام، كم عدد الوظائف الفعلية الجديدة التي يخلقها الاقتصاد الأردني سنوياً في هذه التخصصات تحديداً لاستيعاب هذا التدفق المستمر؟
هل يوجد أي مؤشر وطني ينشر دورياً حالة التوظيف طويلة الأمد لخريجي التدريب المهني (لا نسبة 90% اللحظية فقط)، يمكن لصانع القرار والباحث والمواطن مراجعته؟
بعد كل إعلان عن عام تدريبي جديد “بإقبال لافت”، هل سيصدر لاحقاً أي تقرير متابعة يوضح أين انتهى بالضبط مسار هذه الدفعة تحديداً، أم أن المتابعة تتوقف عند لحظة الالتحاق؟
خلاصة
التوسع في التدريب المهني وتنويع تخصصاته جهد يستحق الإشادة من حيث المبدأ، خصوصاً مع تزايد إقبال الشباب والشابات عليه.
لكن الاحتفاء بأرقام الالتحاق وحدها، دون نشر بيانات واضحة وموثقة عن مصير الخريجين فعلياً – لا سيما في تخصصات شديدة التنافسية كالحلاقة – يترك فجوة معرفية كبيرة بين ما يُعلن وما يحدث على أرض الواقع.
وإلى أن تُنشر تلك البيانات، سيبقى السؤال معلقاً مع كل عام تدريبي جديد: ماذا بعد التدريب؟ وهل يستوعب السوق فعلاً هذه الأعداد، وكل الأعداد التي سبقتها؟








