عمان – المنصة
17 ألف تنكة تونسية فارغة: شبهة غش… أم ثغرة في تتبّع زيت الزيتون؟
أثار مواطن من محافظة إربد، في حديث لوسائل إعلام محلية، شبهات حول احتمال استخدام نحو 17 ألف تنكة زيت زيتون تونسية فارغة في عمليات يُشتبه بارتباطها بالغش وبيع الزيت في منطقة بني كنانة.
وقال إنه يعمل في ساحة للسكراب، وإنه تلقى عرضاً لشراء تنكات فارغة وصلت كمياتها على دفعات إلى نحو 17 ألف تنكة، سعة الواحدة 5 لترات، وإنه لاحظ ثلاث فتحات في أعلاها، وإنه يحتفظ بمقاطع فيديو وتسجيلات كاميرات مراقبة توثق جزءاً من الواقعة.
وأعرب عن مخاوف من احتمال تفريغ الزيت في خزانات داخل معاصر بالمنطقة ثم إعادة تعبئته وبيعه، وقال إن تنكة الزيت سعة 16 لتراً تُباع بنحو 120 ديناراً. وأضاف أنه أبلغ الجهات الأمنية التي اطلعت على التسجيلات، فيما أكدت جهات مختصة متابعة الموضوع واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال ثبوت مخالفات. وشدد على أن غالبية معاصر بني كنانة تتمتع بسمعة جيدة.
والخبر نفسه يقرّ بأن ما ورد يبقى في إطار الشبهات والادعاءات التي تحتاج إلى تحقق، دون ثبوت وقوع عمليات غش حتى الآن. وهذا بالذات ما يجعل القراءة النقدية مشروعة: فسواء ثبتت الشبهة أم تبددت، ثمة أسئلة عن منظومة الرقابة والتتبع، وعن الجهة التي ستحسم الأمر، وعن الوقت الذي ستستغرقه.

ما أُعلن… وما لم يثبت بعد

أسئلة عن الاستجابة الرسمية
من هي «الجهات المختصة» التي تتابع الواقعة؟ ولماذا لا تُسمّى أي منها ولا يصدر عنها بيان يحدد من يقود التحقق وإلى أي مدى بلغ؟
كيف يصل ادعاء بهذا الحجم، 17 ألف تنكة، إلى الرأي العام عبر حديث لوسائل إعلام محلية، لا عبر رصد رقابي استباقي؟ أين كانت الرقابة قبل أن يتحدث مواطن؟
هل ستُعلن نتيجة فحص التسجيلات سواء ثبتت الشبهة أم تبددت؟ ومن يرد الاعتبار للمعاصر الملتزمة إن تبين أن لا مخالفة؟
تنكات تونسية فارغة: دليل أم سوء ظن؟
وجود تنكات تونسية فارغة في الأردن ليس بحد ذاته دليلاً على شيء. فبحسب ما نُشر، سمحت وزارة الزراعة استثنائياً باستيراد 10 آلاف طن من زيت الزيتون لتعويض النقص في إنتاج موسم 2025/2026، وأعلنت المؤسسة الاستهلاكية المدنية بيع الزيت التونسي بعبوات سعة 5 لترات بسعر 21 ديناراً للعبوة بحسب تقرير تونسي.
أي أن زيتاً مستورداً بهذا الحجم من العبوات جرى تداوله فعلاً، وأن عبوات فارغة منه ستنتهي بصورة طبيعية في السوق.
غير أن الأرقام المعلنة والمواصفات المرافقة تفرض تتبعاً أدق مما يظهر.
فتعليمات الوزارة للاستيراد تشترط تعهداً عدلياً بقيمة 25 ألف دينار بعدم بيع الإرسالية خارج الأسواق الأردنية، وطباعة اسم المنتج والصنف وبلد المنشأ وتاريخي الإنتاج والانتهاء والموسم واسم الشركة المنتجة على كل جوانب العبوة، وتزويد مديرية التسويق الزراعي بفواتير البيع خلال ثلاثة أشهر من دخول الإرسالية قبل إنجاز البيان الجمركي. وهي ضوابط تتبع الإرسالية حتى بيعها، لا حتى مصير عبواتها الفارغة.
أسئلة عن التتبع
هل تُتابع كميات كل مستورد حتى المستهلك؟ وكيف تُربط الفواتير التي تُقدَّم خلال ثلاثة أشهر بمصير كل عبوة؟
هل يُعقل أن تُباع عبوات الزيت المستورد الفارغة لساحات السكراب بالآلاف دون أن يعرف أحد مصدرها وكمياتها؟
وهل ثمة ضوابط على بيع هذه العبوات الفارغة وإعادة تدويرها، كما تُقيَّد عبوات الزيت المحلي بالبيع في فترة محددة وبطباعة اسم المعصرة بحسب النقابة؟
الحافز السعري: لماذا يتكرر السؤال عن المنشأ؟
الفارق السعري المعلن بين الزيت المستورد والمحلي يوضح لماذا يبقى المنشأ محور الشبهات في كل موسم.
فعبوة 5 لترات تُباع بنحو 21 ديناراً تعني 4.2 دينار للتر، فيما تتراوح تقديرات تنكة الزيت المحلي سعة 16 لتراً بين نحو 85 ديناراً بحسب تقدير مسؤول في زراعة إربد و120 ديناراً بحسب المواطن.
ويعني ذلك فارقاً يتراوح بين 1.1 و3.3 دينار لكل لتر، كما أن لتر الزيت المستورد أرخص من كلفة المزارع المحلي التي أعلنتها نقابة أصحاب المعاصر في وقت سابق (نحو 4.7 إلى 5 دنانير للتر). وهذا الفارق لا يدل على وقوع غش، لكنه يفسّر الحاجة إلى رقابة على المنشأ لا على الجودة وحدها.


أسئلة عن السعر والمنشأ
حين يكون لتر الزيت المستورد أرخص من كلفة المزارع المحلي نفسها، أليس التلاعب بالمنشأ إغراءً دائماً؟ وأين الرقابة على المنشأ إلى جانب الرقابة على الجودة؟
ما سعر تنكة الزيت المحلي الحقيقي: 85 ديناراً كما يقدّر مسؤول زراعي، أم 120 كما يقول المواطن؟ ولماذا لا تصدر جهة رسمية مرجعاً سعرياً يحمي المستهلك من الغلاء ومن الغش معاً؟
وكيف يميّز المستهلك بين زيت محلي وزيت مستورد أعيدت تعبئته، وهو لا يملك مختبراً؟
سابقة بني كنانة: مخالف يتكرر
ليست المنطقة غريبة عن مثل هذه القضايا. ففي تشرين الثاني 2025 ضبطت المؤسسة العامة للغذاء والدواء، بالتعاون مع مديرية زراعة إربد والأجهزة الأمنية، معصرة في لواء بني كنانة بحوزتها نحو 100 تنكة من زيت الزيتون المخلوط بزيوت نباتية، وأُغلقت بالشمع الأحمر.
وقال مدير زراعة إربد حينها إن المعصرة غير مرخصة أصلاً، وإنها خولفت ثلاث مرات سابقة، آخرها قبل ليلة المداهمة. وفي تشرين الثاني 2019 ضُبطت 170 تنكة زيت مغشوش في جرش.
وتقول الجهات المعنية إن ترخيص المعاصر يخضع قبل كل موسم لكشف ميداني تجريه لجنة تضم مندوبين عن مديريتي زراعة إربد وبني كنانة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء والجهات البيئية والإدارة المحلية والمياه ونقابة المعاصر ورابطة المنتجين، وإن المعاصر بدأت استقبال الثمار قبل أيام وسط جولات رقابية.
وتدعو مديرية زراعة إربد المواطنين إلى الشراء من مصادر موثوقة أو إلى الفحص المخبري لدى مديرية الغذاء والدواء والمركز الوطني للبحوث الزراعية.
أسئلة عن التكرار والمحاسبة
كيف عملت معصرة في بني كنانة، غير مرخصة وخُولفت ثلاث مرات، إلى أن ضُبطت في المرة الرابعة؟ وما الذي منع إغلاقها من أول مخالفة؟
كم قضية غش زيت زيتون أُحيلت إلى القضاء في المواسم الأخيرة، وما العقوبات التي صدرت؟ ولماذا لا تُعلن نتائجها كما تُعلن حملات الضبط؟
هل يكفي أن تنصح الجهات الرسمية المواطن بالشراء من مصدر موثوق أو بفحص زيته مخبرياً، وهو ما لا يطيقه معظم المستهلكين؟
خلاصة
قد تتبدد الشبهة، وقد يتبين أن لا علاقة لها بالغش، وقد تكشف ما هو أكبر.
لكن المنظومة التي تحمي زيت الزيتون، وهو سلعة يتوقف عليها رزق مزارعين وسمعة معاصر وثقة مستهلكين، ينبغي أن تجيب خلال أيام لا أسابيع: من أين جاءت هذه التنكات؟ وهل جرى تفريغ زيت وإعادة تعبئته؟ وهل من معصرة معنية؟ وإن كانت المعاصر في بني كنانة، كما قال صاحب الادعاء نفسه، تتمتع بسمعة جيدة، فخير ما يحميها اليوم تحقيق سريع ومعلن، لا صمت يترك الشبهة معلقة فوق الجميع.








